Thursday, August 16, 2007

مشكلات الثقافة الجماهيرية

أحمد عبد الرازق أبو العلا
الدعوة التي وجهها الفنان التشكيلي الدكتور أحمد نوار رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة لعدد من المثقفين والكتاب ، لبحث ومناقشة أوضاع الهيئة ، ومشكلاتها ، من أجل الوصول إلي حلول ممكنة للنهوض بها من عثرتها ، جاءت في وقتها تماما ، خاصة وأن المشكلات المتراكمة ، أدت إلي خسائر كبيرة خلال السنوات الست الماضية ، كان أشدها الحريق الذي حدث في مسرح قصر ثقافة بني سويف ، في شهر سبتمبر الماضي ، ومازالت تداعياته مستمرة حتى الآن - وربما ستستمر لسنوات أخري قادمة - وأودي بحياة أكثر من واحد وخمسين شهيدا من المسرحيين والكتاب والنقاد ، والجمهور ، في واحدة من أشد الكوارث ، وأكثرها عنفا ، وحقيقة الأمر أن غياب الإستراتيجية ، وضعف السياسات ، نتجا عن اختيار قيادات لإدارة شؤون الهيئة ، لم تأخذ الفرصة كاملة للتعرف علي المشكلات ، حتى تكون قادرة علي مواجهتها ، فضلا عن اختيار قيادات غير متفرغة ، تعمل في أوقات العمل غير الرسمية ، حيث يتم اختيارها من خارج الجهاز ، نفيا للكوادر الموجودة بداخله ، وعدم رضاء وزير الثقافة عنها لأسباب غير معلومة !! فمنذ ترك حسين مهران الهيئة ، في عام 1997 ، وبعد أن تمت إقالة رئيسها الثالث ، علي أبو شادي علي اثر أزمة الروايات الثلاثة المفتعلة في6 يناير 2001- ولم تكن قد مرت علي أحداث الوليمة إلا شهور قليلة - لم تعط - بعدها- الفرصة الكاملة لأي قيادة من أجل النهوض بالهيئة وتحقيقا للأهداف المنوطة بها ، حيث تناوب رئاستها - بعد ذلك - أكثر من سبع رؤساء قبل د. أحمد نوار ، منهم من جاء كسد خانة في فترة انتقالية ،ومن ثم لم يفعل شيئا - شهر أو ثلاثة شهور علي أكثر تقدير لكل واحد منهم - باستثناء (محمد غنيم) الذي جاء عقب إقالة أبو شادي ومكث سنة وبضعة أيام ولم يفعل شيئا- أيضا- إلا تصفية بعض الحسابات الصغيرة ، وكانوا علي الترتيب - بعد حسين مهران - : د. فوزي فهمي ( فترة انتقالية )- د. مصطفي الرزاز - ( سنتان) علي أبو شادي ( اقل من عام ) - محمد غنيم ( انتقالية ) - أنس الفقي ( عامان ) - د. جابر عصفور (انتقالية ) - د. مصطفي علوي ( عام واحد وعدة أيام )- وأخيرا د. أحمد نوار .. كل هؤلاء لم يمكثوا المدة الكافية لاستيعاب مشكلات الهيئة ومعالجتها ، وصولا إلي تحقيق الإستراتيجية المنوطة بتنفيذها . بل أن بعضهم جاء بترشيح من لجنة السياسات ، من أجل التصعيد إلي منصب أعلي ( أنس الفقي ) الذي أصبح وزيرا للشباب ، ثم وزيرا للإعلام ، ومن بعده ( مصطفي علوي ) - الذي كان مرشحا لمنصب أعلي لولا أحداث المحرقة ، وغضبة المثقفين تجاهه - وفي عهد القيادات الأخيرة للهيئة تم تصعيد عدد من الموظفين للمناصب العليا ، بدون امتلاكهم مسوغات القيادة - غير الأقدمية ، والمجاملة ، وإيثار السلامة ، وضرب قيادات أخري غير مرغوب التعامل معها - حيث إن الرئيس السابق للهيئة كان يصرح للمقربين حين يسألونه عن أسباب نفي بعض الكوادر فيقول : لأن لهم ماضي ، وتاريخ لا يسمح لهم بالصعود والقيادة !!ويعني بذلك أنهم لا يمارسون الولاء الكامل له ، بوصفه ممثلا للحزب الوطني في جهاز الثقافة الجماهيرية !! ولكي يستطيع - بمفرده - وبمساعدة كبار الموظفين الذين اختارهم بنفسه ، أن يحول الثقافة الجماهيرية إلي فرع من فروع الحزب الوطني ، فبدلا من دعم الصالون الثقافي ، نراه يدعم ويؤازر الصالون السياسي الذي أطلق عليه ( صالون الشباب ) مستنزفا من ميزانية الهيئة الكثير! بدون مردود ثقافي ، حيث إن تلك الغاية لا تدخل ضمن إستراتيجية العمل الثقافي في الهيئة .. من هنا جاءت أهمية الخطوة التي قام بها د. احمد نوار بدعوة عدد من المهتمين بجهاز الثقافة الجماهيرية - وهذا هو المسمي الذي نفضله عن المسمي الحالي - حيث انه جاء في فترة انتقالية -أيضا - لكنه لم يركن إلي الراحة ، وإيثار السلامة - كسابقيه- بقدر ما يرغب في الوصول إلي المشكلات الحقيقية من أجل تحديد البرنامج الزمني لمواجهتها ، وهذا البرنامج من المفترض أن يكون مُلزما لرئيس الثقافة الجماهيرية الجديد الذي سيأتي - حتما - بعده ، والتخوف الذي طرحته أمام الجميع - أثناء الاجتماع - من أن يكون هذا الاجتماع مجرد خطوة لتجميل شكل وموقف الهيئة في الظروف الراهنة ، أو سد خانة المشاركة ، هو ما يجعلنا نكتب الآن عن أهم المشكلات وطرق مواجهتها لو كنا حريصين علي أن ينهض هذا الجهاز من كبوته مرة أخري ، ويقوم بدوره ، وعلي المثقفين والمهتمين متابعة برنامج الإصلاح ، ومواجهة المتقاعسين عن تنفيذه ، سواء كان الوزير ، أو رئيس الهيئة الحالي ، أو الجديد القادم !! تلك المتابعة والمراقبة أصبحت من حق الجميع ، في العاصمة ، والأقاليم .. والحديث عن أحوال الهيئة ، والمشكلات التي تواجهها - حاليا - يتطلب ألا نخرج عن الموضوع بالحديث عن الماضي كما فعل البعض ، بل يتطلب أن نتحدث عن الحاضر، حتى نستطيع الوصول إلي نتائج سريعة وعمليه .. طرحت تصورا يحدد أهم المشكلات ، لم تختلف - معه- معظم الكلمات التي قالها حضور اللقاء ، وتدور المشكلات الرئيسة اعتمادا علي محورين رئيسيين أولهما : إداري ، والثاني : مالي ، وكل واحد منهما مرتبط - بشكل أو بآخر- بالثاني .. فالإدارة البيروقراطية في هذا الجهاز ، أثرت علي أدائه ، حيث إن الموظف تربي علي فضيلة الخوف ، الخوف من رئيسه المباشر ، والخوف من العقاب !! مما عطل قدراته علي الابتكار ، وسرعة اتخاذ القرار ،هذا الأمر نلمسه حتى عند أصحاب الوظائف العليا ، كوكيل الوزارة - مثلا- هذا الخوف لا يُنتج شيئا ، بل أدي - علي سبيل المثال- إلي ممارسة الرقابة - بدون احترام لتقارير اللجان المتخصصة - علي الإصدارات التي تصدرها الهيئة ، ومن ثم أصبحت مطبوعاتها باهته ، ولا تحرك الراكد في حياتنا ، ولا تواكب متطلبات المرحلة ، والخوف أيضا هو الذي أدي إلي تراخي معظم العاملين عن القيام بأعباء أعمالهم ، ذلك الخوف هو الذي أدي إلي توقف مشروع النشر الإقليمي ، الذي لم يجد اهتماما من الهيئة يتساوي مع النشر المركزي! لقد ظل شبح وليمة لأعشاب البحر، وشبح الروايات الثلاث ، يطارد المسئولين في الهيئة ، مركزيا ، وإقليميا ، وإيثارا للسلامة تم تعطيل المشروعين معا !!
وغياب الإستراتيجية الثقافية هو الذي أدي إلي اختفاء الأنشطة الحقيقية التي تُعد حجر الأساس ، الذي قامت عليه الثقافة الجماهيرية ، فالإستراتيجية تقوم علي تأكيد مبدأ الانتماء ، وتأكيد مبدأ أن الثقافة للجميع ، وأنها تتوجه إلي جماهير الشعب في كل مكان ، وأي مكان ، وقامت لتؤكد علي أن الُمنتج الثقافي ، لابد أن يكون فاعلا في اللحظة الآنية ( سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ) والإستراتيجية تقوم - أيضا - علي مبدأ تأكيد الحرية ، واستنهاض المواهب واكتشافها .. فهل تحقق هذا مع إلغاء ميزانيات نوادي الأدب ( تلك النوادي التي ساهمت علي دفع عديد من المواهب في كافة مجالات الإبداع ، وضخها في حياتنا الثقافية ، من خلال إصدار المجلات ، واستضافة المتخصصين من النقاد، وتبادل الزيارات بين الأدباء في الأمسيات الشعرية .. الخ ) وأدت إلي توقف أنشطة الموسيقي والفن التشكيلي ومسرح الطفل ، ونوادي المرأة والعلوم ، في معظم المواقع ، وعددها (517) موقعا ، هذا الامتداد الأفقي ، لم يوازيه امتداد رأسي ، يجعل المُنتج الثقافي - المتنوع - يصل إلي جماهير الناس ، ويصل إلي الطبقات الفقيرة ، التي هي في أشد الاحتياج إليه .. ميزانية النشاط الثقافي في الهيئة حوالي( 32 مليونا ) ، يتم إهدارها في احتفالات ، ومهرجانات ، مركزية ، مثل الاحتفالات الرمضانية ، والمشاريع الموسمية ، كمهرجان القراءة للجميع ، وأشياء أخري لا علاقة لها بالمنتج الثقافي المُلح للجماهير خارج العاصمة ، استنزاف ميزانية الهيئة ، يتم لصالح المركز علي حساب الهامش !! ، ولذلك غاب دور الثقافة الجماهيرية في تثقيف الجماهير ، وأصبح دورها يتشابه مع الدور الذي تقوم به وزارة الثقافة ، حين تهتم بالمهرجانات الواجهة ، ولا تهتم بأن تكون الثقافة - بشكل عام - قادرة علي صناعة مردود ، يُساهم في التنمية ، وهذا هو الأساس ، في أي إستراتيجية ، تسعي للتغيير ، والخلق ، والمواجهة .. لقد كان الهيكل الوظيفي في الثقافة الجماهيرية ، مرتبطا - من قبل - بوظيفة محددة ، وأهداف معينة ، منها التنمية الثقافية ، والحادث الآن ، أن الأهداف تلاشت ، وظل الهيكل الوظيفي كما هو محلك سر ، ولذلك نري مظاهر هذا الخلل تتبدي في عدم اهتمام القائمين علي أمور الثقافة في الأقاليم بالثقافة ، ذاتها ، أو تفعيل دورها ، إضافة إلي عدم اهتمام المركز بصرف حوافز جيدة للعناصر الإيجابية ، مما جعل الكل يتساوون ، بصرف النظر عن التميز !! إلي هذا الحد وصلت الأمور إلي الاستهانة بالعناصر الفاعلة التي لم تجد المناخ مهيئا لها لكي تعمل ، فارتكنت - هي الأخرى - إلي التكاسل ، والإهمال . ومن الأمور الخطيرة - أيضا - أن الترقي الوظيفي جاء علي حساب الكفاءة ، لأنه استند إلي الأقدمية ، في حين أن ( سعد الدين وهبة ) كان يُكلف الشباب الذين كانوا لا يزالون خريجين جددا لإدارة المواقع الثقافية ، بصرف النظر عن درجتهم الوظيفية ، ومن قال أن الدرجة الوظيفية هي الأساس الذي يتم بناء عليه اختيار الكادر المثقف ، القادر علي تفعيل العمل الثقافي ، وإدارته ؟! تحديد المشكلات ، هو السبيل الأول لنجاح الإصلاح ، والمواجهة ، لابد أن يكون هناك تنسيقا إداريا ، بين المركز والهامش ، في رسم السياسات ووضع الخطط ، ومواجهة العقبات أولا بأول، وذلك من خلال لجنة دائمة ، تجتمع اجتماعات دورية مع القائمين علي أمور الثقافة من مديرين وأخصائيين في الأقاليم ، مع المسئولين في العاصمة ، من خلالها يتم مناقشة المشكلات أولا بأول وقبل أن يستفحل أمرها - كما هو حادث الآن - ولا نستطيع مواجهة أي شيء في نهاية الأمر، وحتى لا يؤدي إلي كوارث أخري شبيهة بكارثة بني سويف ، وربما اشد منها ، ولابد من إعادة الثقة من جديد بين المسئول الثقافي ، الجماهير المتعاملين مع جهاز الثقافة الجماهيرية ، لأن هذه الثقة ، تدفع هؤلاء إلي احترام دور هذا الجهاز ، وبالتالي ، لا يستطيع أي أحد أن ينفي أهميته ، اعتمادا علي الخراب الذي حل ، لكي يتم بيعه ، أو خصخصته- لا قدر الله - فنحن نلاحظ أنه في الوقت الذي تم فيه إهمال عدد كبير من المواقع علي مستوي مصر كلها ، يتم الاهتمام بعدد محدود جدا مما يسمي( بالقصور المتخصصة ) اهتمام الهيئة بهذه القصور- من ناحية الميزانية .. الخ - جاء علي حساب أماكن أخري كثيرة ، ينبغي توزيع الميزانية عليها بشكل عادل ، فالعدالة للجميع ، أول خطوة علي سبيل الإصلاح ..
وعلي وزارة الثقافة أن توزع ميزانيتها اعتمادا علي فكرة العدالة - أيضا - فليس من الصحيح أن نصرف - مثلا- علي مهرجان المسرح التجريبي وغيره من المهرجانات الشكلية ، عدة ملايين من الجنيهات ، وفي نفس الوقت نشكو من أننا لا نستطيع شراء طفايات للحريق في المواقع البعيدة عن العاصمة ، بحجة أن الميزانية لا تسمح !! ولا نستطيع أن نتقبل توجيه الاهتمام كله بإنشاء المتاحف ، في الوقت الذي تُغلق فيه قصور ثقافة أبوابها لعدد من السنوات ، وتضيع - نتيجة لهذا الغلق- الضرورة التي من أجلها قام جهاز الثقافة الجماهيرية .
لعل هذه الكلمات تكون محركا لمناقشة الأمور الهامة المتعلقة بثقافتنا ، في ظل ظروف لاتقدر العمل الثقافي ، ولا تهتم بالمنتج الثقافي ، بقدر اهتمامها بالتافه والمسف ، والسطحي . وأخيرا إذا كنا حريصين علي هذا الجهاز ، فلابد أن يتم اختيار قيادة ثقافية ، من داخله، لأن التجربة أثبتت أن القيادات التي تجيء من خارج الجهاز ، تحتاج إلي سنوات حتى تفهم طبيعته ، وعندما يحين وقت الفهم ، يكون المعاش قد حل ، وتبدأ الرحلة الجهنمية من جديد .

وقائع الدخول إلى وزارة الثقافة من أبواب الخدم!!



أحمد عبد الرازق أبو العلا

حين أتأمل أحوال المثقفين في بلادي ، خاصة هؤلاء المنبطحون ، الزاحفون علي بطونهم سعيا نحو الساسة ، يعلنون ولاءهم لأولياء نعمتهم ، يدافعون عنهم - بغير حق غالبا - بغية الحصول علي الرضا التام ، ومزيد من الغنائم والهبات، وهم - في سبيل هذا – يمارسون كافة الأساليب الانتهازية لتحقيق ما يريدون !! انهم يتجردون من فضيلة الجسارة التي هي سمة من سمات المثقف الحقيقي ، المؤمن بقدراته وإمكاناته ، ويركنون إلى الخوف الذي هو سمة من سمات المثقف الانتهازي الذي يعلم أنه لا يملك شيئا يستطيع الدفاع عنه ، ولا يملك الموهبة التي تعصمه من الوقوع في دائرة الاشتباه !
هؤلاء يدخلون الحياة الثقافية من أبواب الخدم !! أبواب الخدم التي رفض (بتهوفن ) " 1770- 1827الدخول منها ، حين دعاه أحد البارونات الألمان ليعزف بعض المقطوعات الموسيقية لأستاذه ( هيدن) الذي رشحه للقيام بهذه المهمة ، وكان النبلاء والبارونات في تلك الفترة ، ينظرون الي الموسيقيين والفنانين باعتبارهم - وبلغتنا – عوالم !! ومن ثم لا ينبغي لهم الدخول من أبواب السادة ! لكن ( بتهوفن ) رفض طلب الحارس ، و أصر علي الدخول من الباب الواسع .. وفي القاعة عزف مقطوعة موسيقية من تأليفه هو ، وليس من تأليف أستاذه ( هايدن ) كما كان مقررا . فعل هذا - برغم صغر سنه وحداثة تجربته وعدم معرفة الناس له- احتراما للفنان المثقف في داخله ، احتراما لنفسه ، ولم يتجرد من فضيلة الجسارة ، ولم يفكر في النتائج والتبعات التي يمكن أن يجرها عليه موقفه ، فكر كانسان مثقف ، مستقل ، علي الآخرين أن يتقبلوه هكذا لما يريد هو ، لا كما يريدون . هذا السلوك يقوي ويدعم الحياة الثقافية ، كما قويت بالمثقفين في عصر النهضة – القرن الثامن عشر – ونري الحياة الثقافية في مصر الآن ضعفت وهزلت ، وما كان لها أن تضعف ويصيبها الهزال والمرض ، لو أن المثقفين وقفوا وقفة جادة ، من أجل النهوض بها من عثرتها ، لو أنهم قد تخلوا عن اللهاث والسعي للدخول إلى حظيرة وزارة الثقافة . ماذا فعل البارون مع (بتهوفن ) حين عرف موقفه ؟؟ قابله ، وأثني عليه ، وقام من مكانه ، وصافحه قائلا : أحترم فيك كل هذا .. وأرجو أن تقبل صداقتي !! هذه الحكاية الواقعية الطريفة تكشف ، أن المثقف الملتزم ، المؤمن بدوره ، وفكره وعقله ، هو القادر علي إجبار الساسة والحكام علي احترامه والسعي إليه . عليهم - جميعا - أن يندفعوا إلى ساحته ، لا أن يندفع هو إلى ساحتهم .

الالتفاف حول الكعكة المسمومة ..
أثناء اندلاع الأزمة التي عرفت باسم ( أزمة الروايات الثلاث) – يناير 2001والتي كان من نتائجها قيام وزير الثقافة بإقالة رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة ، وتنحية وابعاد بعض المثقفين العاملين بإدارة النشر - وكنت واحدا من الذين شملهم قرار الإبعاد وما زلت- اندهشت لموقف الوزير الذي تغير فجأة ، فبعد وقوفه في خندق المثقفين الذين ساندوه عقب أزمة رواية( وليمة لأعشاب البحر )- 2000- دفاعا عن نفس القضية التي طرحت نفسها من جديد : قضية حرية الرأي والتعبير ، اندهشت لوقوفه في خندق خصوم الأمس ، وبررت أن موقفه جاء لاعتبارات وظيفية .. سياسية .. أمنية .. إلى آخر ما يمكن لك أن تذكره من مبررات ، ربما تكون حقيقية ، وربما لا تكون كذلك . لكن ما أدهشني حقيقة ، هو موقف أمين عام المجلس الأعلى للثقافة- سأتناوله بعد قليل- ، وعدد من المثقفين الذين تطوعوا وانبروا يدافعون – مغالطة – عن الموقف الغامض للوزير !! واخلاصهم في الدفاع وحماسهم في الهجوم علي الفئة التي نادت بضرورة إفساح المجال أمام الكاتب للتعبير الحر ،جعلني أتابع مواقفهم غير الواضحة تجاه قضايانا القومية ، وأتعجب لأنهم لم يشيروا- من قريب أو من بعيد -إليها في كتاباتهم ! فكروا في تلك اللحظة الشيطانية في شيء واحد ، وهو الحصول علي المنح والعطايا لأن كل شيء بمقابل !! وبالفعل تم توزيع الكعكة المسمومة عليه ، وأخذ كل واحد منهم نصيبه منها : أصبح هذا مشرفا عاما علي المشروع القومي للترجمة ،وأصبح ذاك رئيسا لتحرير مجلة أدبية أنشئت خصيصا لسيادته - بمقر متميز- في حين أن مجلة (الثقافة الجديدة) التي شرفت بإدارة تحريرها لأكثر من عشر سنوات لم تتوقف فيها شهرا واحدا ، كانت بلا مقر ، وبلا جهاز مالي أو أداري يتابع أعمالها ، وكل ما كانت تملكه المجلة دولاب خشبي صغير، في غرفة صغيرة ، أو بالأحرى فرندة إدارة النشر بالهيئة العامة لقصور الثقافة .وأسندت إلى آخر مهمة رئاسة تحرير هذه المجلة بعد الاتفاق علي تغيير لائحتها ، والبحث عن مقر لائق !! وهكذا تتوالى العطايا والهبات للذين لا يقولون (لا) ! وأقل هذه الهبات : التي حصل عليها المدافعون : رئاسة تحرير سلسلة أدبية ، من السلاسل التي تصدرها هيئات الوزارة ، أو الحصول علي منح تفرغ ، لا يستحقونها ، لأنهم - أصلا - علي المعاش ولا يعملون شيئا .. هؤلاء المنبطحون يأكلون علي كل الموائد : السفر إلى الخارج – منح التفرغ – لجان المجلس الأعلى للثقافة – الجوائز- المكافآت .. كتب مكتبة الأسرة كل عام .. الخ ..كلهم معروفون بالاسم ،والحياة الثقافية تعرفهم ، ولا تجهل أفعالهم .. هم - غالبا -لا يملكون الموهبة التي تساعدهم علي الدخول من الأبواب الواسعة ، ففضلوا الدخول من الأبواب الضيقة .. أبواب الخدم !! تراجع فكر الاستنارة .. أشرت من قبل إلى اندهاشي من موقف أمين عام المجلس الأعلى للثقافة ، أثناء أزمة ( الروايات الثلاث) بسبب تخليه عن موقفه المساند لفكر ( الاستنارة ) -علي حد تعبيره - فبعد إدانته للكُتاب والروايات ، ترك الساحة المشتعلة ، وآثر السلامة ، وذهب إلى أمريكا ، وعاد بعد هدوء العاصفة ، ليعلن أن فكر الاستنارة كان رهينا بظروف معينة ، هذه الظروف تغيّرت ، والمناخ لم يعد هو نفسه قبل احتضان الفكرة ولذلك لم يعد يتكلم عن نموذج المثقف التقليدي ، الذي ينقلب إلى متعصب ديني ، ذلك النموذج الذي أدانه كثيرا من قبل ، في الوقت الذي أرادوا منه هذه الادانه !!
أدانه حين وقف في خندق الوزارة ، أثناء تبنيها لهذا الفكر ، ثم تخلي عنه حين أرادت تهميش الفكر وزحزحته لفترة ، كيف نصدقه حين كتب يقول :" إن المثقف التقليدي الذي ينقلب إلى متعصب ديني ، ينطوي في داخله علي رغبة تدمير العالم المدني ، الذي لا يستجيب إلى نواهيه ، فضلا عن انحيازه إلى تيارات النقل الجامدة ، وآلية تفكيره الذي يقصر الحق علي ما أنتهي إليه ، والباطل علي ما أنتهي إليه المختلف عنه ، مقرنا الحق بالحقيقة التي ينجو من يتبعها ، والباطل بضلالة المعصية ، المفضية إلى النار ، ويتعلم إيثار الاتباع علي الابتداع " هذا الكلام النظري الجاف - علي الرغم من صحته إذا كان صادرا عن شخص آخر مؤمن فعلا بهذه الفكرة- مجرد بالونات فارغة ، سريعا ما تنفجر بمجرد اصطدامها بتيار هوائي خفيف ..
كيف نصدقه حين يتكلم عن فكر المثقف التقليدي ، وهو في مجلسه الموقر ، يحتضن أنصار هذا الفكر ، ويقوي شوكتهم في مواجهة التيارات المستنيرة التي رفض أصحابها الانضمام إلى لجان خلط الأوراق ، ولجان خلط الحق بالباطل ؟! اللجان التي رشحت أسماء بعينها للحصول علي أكبر الجوائز ، واستبعدت أسماء أخري تستحق ، وتدخله المعلن والخفي في أعمال اللجان ، يكشف أن أفرادها مختارون بعناية ، حتى يستطيع التأثير عليهم لتلبية رغباته .. وهذا من الأمور التي لا تخفي علي أحد ، ولا ينكرها إلا جاحد مستفيد .. انه عصر ( الألياث والحبابكة ) علي حد تعبير الشاعر ( حسن طلب) حين كتب عنهم - في نفس هذا المكان - منذ سنوات قليلة . الألياث والحبابكة الذين استمرؤا الخطيئة ومارسوها بمتعة شاذة ، لوثت صورة الحياة الثقافية التي ما عاد لها كبير ، وما عاد لها ضابط ولا رابط !! فهاهم صبيان أمين المجلس الأعلى للثقافة ، صاروا يتجولون في ردهاته ولجانه ، يعبثون بكل شيء ما شاء لهم العبث ، لدرجة أننا لم نكن نتخيل أن واحدا منهم يمكن أن يحل محل الناقد الراحل الدكتور عبد القادر القط ليؤدي مهامه في اللجنة العليا للتفرغ ، ويحصل علي توقيع أعضائها الآخرين علي محضر الجلسة ، الذي قام بصياغته ، خشية الوشاية بهم عند الأمين !! ثقافة السمع .. وخطيئة المثقف الانتهازي.. "لا يحرز الإنسان النبل والشرف ، ولا يستحق الإعجاب والإجلال بالمثابرة علي محو ما فيه من الخصائص ، بل بتنميتها وتربيتها ، علي شرط أن لا تجور علي مصالح الغير وحقوقهم” كلما قرأت هذه الكلمات التي كتبها ( جون ستيوارت ميل) ، وتأملت أحوال المثقفين ، وممارستهم ، شعرت بحزن عميق علي ما آلت إليه حياتنا الثقافية الآن ، لقد أصيبت بالسكتة القلبية ، من جراء ما فعله هؤلاء بها ، فالنبل والشرف لم يعدا – وحدهما- هما الوسيلة أو القيمة التي يحصل بها المثقف علي إعجاب الآخرين به ، وإجلالهم له !! أرأيت معي كيف أن قتامة الواقع وتراجع القيم النبيلة أمام القيم الصدئة المهترئة ، كل هذا يبعث إلى النفس الأسى ؟!وكواحد من الذين رأوا عن قرب بعض ممارسات هؤلاء، أشهد أنهم ينبطحون انبطاحا مشينا يدعو إلى الأسى عليهم ، وسوف أذكر الآن موقفا واحدا لبعضهم – وسأرجئ مواقفهم في مناسبة أخري- حين قام السفاح شارون وجنوده باقتحام المسجد الأقصى و قتل عددا من الفلسطينيين الموجودين فيه ، وانتفض أبناء الشعب الفلسطيني بثورة الغضب ، في ظل تلك الظروف ، اقترح عدد من أعضاء مجلس إدارة اتحاد الكتاب – مجلس فاروق شوشة – إصدار بيان عن الاتحاد يدين الممارسات الصهيونية التي تواجه هذا الشعب ، فتم تكليف السيد رئيس لجنة الحريات بكتابة البيان ، لكنه أختفي تماما ، لا نعرف أين ؟! وحين قامت الدنيا ولم تقعد عقب أزمة ( الروايات الثلاث) ، وتم طرح الموضوع علي أعضاء المجلس الموقر - وكنت واحدا من أعضائه- ظل مختفيا أيضا ،لأن الأوامر حذرته بضرورة الابتعاد عن هذا النشاط ، الذي يحتضنه الغوغاء – هذه هي العبارة التي أطلقها فاروق شوشة أمام الجمعية العمومية في آخر اجتماع له معها – لأنه مرشح لمنصب كبير ، يتطلب قدرا من الكياسة والتعقل ، وهو أعلم الناس بمصلحته ! وبالفعل حصل علي المنصب ، وبعدها بقليل – وبسبب صمته ونتيجة لطاعته العمياء وعدم وضوح مواقفه – أسندت إليه مهمة الكتابة بشكل منتظم في اكبر صحيفة قومية في مصر !!
ولأنهم – جميعا – ينتظرون العطايا فقد قاموا بصياغة بيان هزيل لا يعبر إلا عنهم فقد ساندوا مساندة كبيرة إجراءات وزير الثقافة -الذي وعدهم قبلها بقليل بدعم نشاط الاتحاد بمبلغ (250 ألف جنيه ) لم تصل حتى الآن!! - وأدانوا الكتاب أصحاب الروايات ..وأصبح البيان دليل اتهام جديد صادر من جهة نقابية ، من المفترض لها أن تقف في خندق المدافعين وليس العكس ، وشعرت - أيامها - أن اتحاد الكتاب أصبح مؤسسة من مؤسسات وزارة الثقافة ، فقد استقلاله بوصفه نقابة مهنية !!
والأدهي - من كل هذا - أن معظم الأعضاء الذين شاركوا في المناقشات ، وقاموا بإدانة الكتاب والروايات ، بما فيهم رئيس الاتحاد ونائبه ، لم يقرؤوا تلك الروايات ، بدليل أنهم طالبوني بإحضارها إليهم لقراءتها !! إذن كيف استطاعوا - بكل هذا الحماس - أن يقدموا دليل الإدانة ؟؟
إنها ثقافة السمع ، ثقافة الكسالى الذين لا يريدون التعب ، ويفضلون استعمال آذانهم وإلغاء كل الحواس الأخرى ، فهذه الحاسة لا تتطلب مجهودا ولا معاناة ، اعتمادا علي السمع وحده ، تكون المواقف ، وتكون الإجراءات .. أي هذر هذا ؟! وأي استخفاف بأمور الثقافة والفكر في بلادنا ؟!

هذا الجزء نشر في صحيفة العربي الناصري في 11 أغسطس 2002


وقائع أخري من زمن الانبطاح :

هل كان الصياد الهندي ، الفقير الذي تعرّض للعواصف ، وخطر أمواج البحر العاتية ، وهو لا يملك إلا مركبا صغيرا جدا ، هل كان مخطئا حين واجه الخطر بقذف المجداف في المياه صائحا : لا أخاف من شيء .. لا آمل في شيء ، لا أطمع في شيء.. أنا حر . لا أعتقد أنه كان مخطئا أبدا ، وأجد نفسي – الآن – أردد وراءه العبارة البليغة التي قالها الصياد ، ووضعها الكاتب اليوناني ( نيقوس كازانتزاكيس) علي قبره ، إيمانا منه بقيمة الحرية التي ينبغي علي المثقف أن يتحلي بها ، لا أن يصبح تابعا ذليلا ، فاقدا لارادته ، فاقدا لضميره . إن المثقف الحر الملتزم يعمل خارج أبنية السلطة ، ويعبر عن رأيه بوضوح دفاعا عن المبادئ الثقافية العليا .
ولا أعتقد أن طغيان المثقف المنبطح وانتهازيته ، يجد تبريرا مقنعا لديك ، لأن سلوكه يُشعرك - كما يشعرني - دوما بالألم ، فتكون الكتابة هي السبيل الوحيد للمواجهة ، ودفع الأذى عن النفس ، نعم أيها الطغيان ، أعرف أني أتألم منك كثيرا ، لكنك ستموت ..
ولعلنا نتذكر ( رءوف علوان ) في رواية ( اللص والكلاب) لنجيب محفوظ ، تلك الشخصية تعد نموذجا صارخا للمثقف الانتهازي ، فمنذ أن كان طالبا في الجامعة ، وهو يدفع ( سعيد مهران) - العامل بالمدينة الجامعية – إلى السرقة ، مبررا ذلك الفعل الإجرامي ، بأنه الوسيلة الوحيدة أمامه، لاسترداد الحق الضائع !! ونتتبع مع الكاتب ، المراحل التي تطورت فيها انتهازيته ، حتى استطاع أن يكون رئيسا لتحرير إحدى الصحف ، ساعتها فقط ، أدرك أن ( سعيد مهران ) أصبح خطرا يطارده ، والتخلص منه ، خير وسيلة للحفاظ علي المكاسب التي حصل عليها ، وهذا ما دفع ( مهران ) بعد أن أدرك - هو الآخر - ذلك السلوك الانتهازي غير المسئول ، إلى المواجهة والانتقام ثأرا لنفسه وللآخرين معا . .
ونتذكر - أيضا - ( سرحان البحيري ) في رواية ( ميرامار ) ، الانتهازي الذي شارك في منظمات ما قبل الثورة بدون إيمان حقيقي ، ثم استفاد من ظروف ما بعد الثورة ، ومن خلال عمله وكيلا لحسابات شركة من شركات الثورة ، قام باختلاس أموالها ، أقام علاقات مع أبناء الطبقة التي يكرهها تحقيقا للمنفعة الخاصة ، حتى نظرته للزواج ، نظرة انتهازية ، يقول : الزواج مؤسسة .. شركة كالشركة التي أعمل وكيلا لحساباتها ، إذا لم يرفعني من ناحية الأسرة درجة ، فما جدواه؟! لقد وضع نجيب محفوظ نهاية لهذا الشخصية تتوافق مع سلوكه وتكوينه النفسي ، الانتحار .. " حين أدرك حدة التناقض بين ما يدعيه من ثورية ، وبين شروعه بسرقة الثورة " .
ومثل الانتهازي كمثل عشب ( الحامول ) الذي يتسلق علي ساق نبات آخر يجاوره ، ويتحامل عليه ، مستمدا منه القوة ، والوجود ، وإذا لم يجد تلك الساق ، فسرعان ما يسقط ويموت ، لأنه لم يتعود الحياة معتمدا علي نفسه ، انه بمثابة عشب صغير ، لا تقتلعه الرياح ، بل تدوسه الأقدام ، كما جاء في الحكمة المصرية القديمة . أثناء أزمة الروايات الثلاث في يناير 2001 ، ثارت ثائرة معظم المثقفين ، احتجاجا علي قرارات وزير الثقافة ، وكان من ضمن الثائرين واحد من رؤساء تحرير إحدى السلاسل التي تُصدرها هيئة قصور الثقافة - صاحبة المشكلة - حيث انه أعلن استقالته علي صفحات الصحف المصرية والعربية ، ولم يتقدم بها مكتوبة !! وكتب مقالا تحدث فيه عن ( بؤس الثقافة ) ، واختتمه بتلك العبارة ( مسكين وزير الثقافة ، فهو واقع بين مطرقة الدهماء ، وسندان الدولة ، ولذلك جعلوه يضع ابنه تحت رجليه ، تحسبا لمجيء الطوفان ، غير مدركين أن الطوفان سيبتلع الجميع ..) والذي حدث بعد أسبوع واحد ، أن اجتمعت اللجنة العليا للنشر بالهيئة استجابة لدعوة رئيسها الجديد ، وكان رئيس التحرير هذا ، هو أول الحاضرين في الاجتماع .. لوح بمقاله ، ولوح باستقالته الشفهية ، وتحدث بوجه آخر تماما ، وقام بنفسه بسحب كتاب الشاعر الأمريكي ( آلن جينسبرج) " عواء وقصائد أخري " والذي قام بترجمته أحمد عمر شاهين ، بعد أن تم جمعة في المطبعة !! ، دون أن يُطلب منه ذلك ، استجابة للتوجهات الجديدة التي قبل العمل في ضوئها ، حيث إن الديوان ممنوع في أمريكا ذاتها ، فكيف ينشر إذن في مصر ؟! بعدها بقليل تم تكليفه بالإشراف علي المشروع القومي للترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة ، وتم تكليفه للمشاركة في لجان القراءة المتعددة في المجلس ، وهيئة قصور الثقافة ، وقام بتغيير اسم السلسلة التي يرأس تحريرها ، مع أنها أصدرت أكثر من سبعين عنوانا ، من قبل ، نراه يعتبر ما صدر منها بعد الأزمة بمثابة الكتاب الأول ، فيضع علية الرقم (1) واختفت قائمة الكتب التي صدرت ، وكأنها أصبحت رجزا من عمل الشيطان !! ليس هذه فقط ، بل أنه حصل هذا العام علي منحة تفرغ ، علي الرغم من تعدد المهام والمناصب المكلف بها ، وعلي الرغم من المعاش الذي يحصل عليه بعد أحالته إلى التقاعد !! - تلك نقطة سنشير إليها بعد قليل - والسؤال الآن : ما الذي يدفعه - هو وغيره - إلى هذا السلوك ؟! وكيف ارتضي لنفسه أن يكون تابعا منصاعا لأوامر المتبوع ؟! علي الرغم من أنه يعلم جيدا أنه لا يخادع إلا نفسه ، وأنه لا يستطيع خداع الآخرين كل الوقت .. لا يهمنا هنا الشخص ذاته ، لكن ما يهمنا هو الحديث عن الظواهر السلبية التي أوجدها المثقف الذي خلقة الإله بوجه واحد ، ولكنه يضع بنفسه بقيه الوجوه !! سلوك المثقف المتذلل ، المستسلم للطاعة العمياء ، والصمت المبالغ فيه ، " فالمطيع الذليل الذي يحني ركبته استخذاء ، ذلك الذي يقضي عمره منكبا علي عبوديته ، معتزا بذله ، انه أشبه ما يكون بحمار سيده ، لا يعيش لشيء سوي العلف" ربما يكون الفيلسوف الذي قال هذه العبارة قد مّر عليه نموذج المثقف الانتهازي ، الذي أفرط في الخضوع ، وأفرط في الانبطاح ، وأفرط في الخوف من أن يكون حرا ، فلا يحصل علي العلف !! وأذكر أن واحدا من الجمهور كان قد سأل ( يوسف إدريس ) – في ندوة من ندواته- أيهما أسبق من الآخر تلبية لحاجة الإنسان : الخبز أم الحرية ؟! فرد قائلا : الحرية لأنها السبيل الوحيد أمامك للحصول علي الخبز .
استسلام المثقف الانتهازي ، وتقديم الولاء ، انتظارا للحصول علي المنح ، يجعله عبدا مطيعا ، لا يملك القدرة علي اتخاذ القرار الصائب ، ويجعله منكبا علي سيده الذي يملك سلطة المنع والمنح ، ويسلك سلوك العبيد الذين فقدوا هويتهم ، ولم يعد الأمر يشغلهم ، إلا بالقدر الذي يتيح لهم فرصة العيش في كنف السيد ، بعد أن ذابت ذواتهم الهشة في ذاته .
العلاقة بين التابع والمتبوع يفهمها جيدا أمين عام المجلس الأعلى للثقافة ، ويترجمها في إدارة شئون العمل الثقافي ، انطلاقا من فكرة القطيع التي تقول لك : انك كلما اقتربت من السلطة ، كلما حققت هدفك في التربح السريع ، وكلما ازداد انبطاحك ، كلما رضيت عنك ، وحصلت علي الهبات والعطايا ، فهاهو الإعلامي الشاعر ، يكتب عن صديقة الروائي الذي لا يقل عنه انبطاحا ، مدافعا ويقول : ( لقد نجا من ورم الذات ، ونرجسية كثير من المبدعين التي تصبح بالتوهم ، وخديعة النفس ، ورياء الآخرين داء مستعصيا ، وحالا ميئوسا من علاجها ، كما نجا من التشوهات التي تنتجها ظروف النشأة والتكوين والعجز عن التحقق ، فتصطبغ مرارتهم بصفرة الأحقاد و دساستها ) .. انهم يعتبرون الكتابات الكاشفة لوقائع الفساد ، دليلا علي ( قلة الأدب وسوء التربية !!) .. في حين أننا نجد هذا الشاعر الذي يتحدث عن رياء الآخرين ، ويتحدث عن المرارة المصطبغة بصفرة الأحقاد ، نراه يحصل علي خمسة آلاف جنيه بموافقة أمين عام المجلس الأعلى للثقافة ، بعد أن كلفه بكتابة مقدمة كتاب أصدره المجلس عن الشاعر البائس ( عبد الحميد الديب) لا تتعدي سبع صفحات ، في حين أن صاحب الكتاب الأصلي ومؤلفه ، لم يحصل إلا علي ألف جنيه فقط لا غير !! حين نذكر هذه الواقعة ، يقولون لك ( صفرة الأحقاد ) وكأن التصرف المخجل في أموال الشعب ، بات متاحا ، للمسئولين الذين يعطون لأنفسهم الحق في المنح والمنع ، والتصرف ، والتهذيب والإصلاح ، يفعلون هذا ، وتُكتب عنهم تقارير الأجهزة الرقابية ، التي تشير إلى وقائع الفساد ، والحصول علي الأموال بدون وجه حق ، وفي مكتب وزير الثقافة ، تقارير تثبت تورط بعض القيادات ، وحصولهم علي مكافآت باهظة ، في حين أن شاعرا شابا فقيرا مثل ( طاهر البر نبالي ) لا يجد حماية ، أو اهتماما أو رعاية ، وهم يعلمون جيدا ، انه في محنة مرضية خطيرة ، تهدد حياته ، بعد أن تليف جزء كبير من الكبد ، ويحتاج إجراء عملية لزراعة كبد جديد ، بعد أن تكفل واحد من أسرته بالتبرع بجزء من كبده لإنقاذه ، ما الذي فعلته تلك الأجهزة ، وهي تصرف ببذخ أحمق ، هنا وهناك ؟! ما الذي فعلته لهذا الشاعر – وغيره – إلا الصمت التام ، وكأن شيئا لم يكن .. أينتظرون موته ، وبعدها يقولون : كم كان صبورا .. كم كان متفائلا ؟! كم كان شاعرا جميلا ؟! ويمصمصون شفاههم ، ويرددون : رحمه الله ؟! متي تستطيع الحياة الثقافية حماية المثقف الفقير ، المثقف الذي لا ينضوي تحي لواء شلة ما ، أو يرتبط معهم بمصلحة ما ؟! تصدق عليهم عبارة ( فتحي رضوان ) التي قالها انتقادا لتصرفات ( الملك فاروق ) الحمقاء : تقتير هنا وإسراف هناك !! لأمين المجلس الأعلى للثقافة مقالة غريبة عجيبة كتبها تحت عنوان ( الإنسان الاتباعي ) - دعك من العبارات الكثيرة التي جاءت فيها ، ولا يحكمها سياق منطقي ، يُساعدك علي الوصول إلى المعني مثل قوله : " العلاقة بين مفهوم الزمن ومفهوم الإنسان علاقة عضوية في ثقافة الاتباع ، وسواء كنا نتحدث عن الزمن الدائري أو الزمن المنحدر ، فالنتيجة واحدة ، إذ لا تعني حركة الدائرة سوي الجبر الذي ينتقل من العلة إلى المعلول الذي يلزم علته – كما تلزمه – وجودا وعدما . أضف إلى ذلك أن الزمن المنحدر يشير إلى اللزوم نفسه الذي يفرض جبر يته علي الفعل الإنساني في قدر مقدور ، إن الزمن في الحالين يُسقط نفسه ميتافيزيقيا علي الإنسان الذي تنحدر حركته الفيزيقية جبرا علي مستوي السلب في التاريخ المتعاقب ، وتثبت هذه الحركة علي نحو لا يعرف إلا الحركة الدائرية ولا يفارق ثباتها ، كأنه حال من الجبر علي مستوي الإيجاب في العلم والمعرفة ، أو الثقافة والأدب .. ‍‍!! " لقد حاولت الوصول إلى مضمون المقال الذي يحتاج إلى مقال آخر يشرحه ويفسره ‍‍ ، وبعد جهد خارق ، توصلت إلى أنه ينتقد النظرة التي تنطوي علي سوء ظن بالإنسان من قِبل الذين يرونه يجنح إلى الشر ، وارتكاب المعاصي لخلل مرتبط بتكوينه أصلا ، وينتقد – كذلك - الذين ينظرون إلى الإنسان باعتباره كائنا مستعدا لتقبل تلك النظرة ، التي تري أنه لا سبيل أمام الأدنى إلا تصديق الأعلى ، والمضي في أثره ، اتباعا وتقليدا ، فذلك هو قدر الأدنى المقدور في زمانه المحتوم ، الذي لا يعني سوي الوصاية الدائمة علي فعله ، والتحديد المسبق لمسار قدرته ، والتوجه القبلي لحركة عقله ، والنتيجة هي أن ‍ يغدو الإنسان سجينا متعدد السجون ، حركته اتباع لما ليس اختياره ، وإبداعه تقليد لما ليس من صنعه ، ومعرفته نقل عن الأعلى منه في الوجود والرتبة .. والسؤال الآن : أليس هذا هو نفس الشيء الذي يفعله في إدارته لشئون الثقافة ، من خلال مجلسه الموقر‍‍ ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ألم يتعامل هو مع المثقفين الذين ارتضوا التعامل معه بالشروط التي يُمليها ، وتعكس أسلوب القطيع ، وفكر العبودية ؟‍ تحقيقا لمصالحه ، ومصالحهم ، ومن أجل المحافظة علي مكاسبه ومكاسبهم - سنشير فيما بعد إلى بعض الصور - إنها ازدواجية المثقف ، الذي يفعل عكس ما يقول ، ويقول عكس ما يفعل ‍‍.. يبرر لنفسه كل خطأ ، ويعتبر نفسه – أيضا - صاحب الحقيقة المطلقة ‍!! ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
أيضا أثناء أزمة الروايات الثلاث ، وحين قرر عدد من المثقفين مقاطعة أنشطة الوزارة ، وكان معرض القاهرة الدولي للكتاب علي الأبواب ، احتجاجا علي موقف الوزير من قضية حرية التعبير ، أعلن في حوار أجراه الصديق الكاتب ( حلمي النمنم) - نشرته المصور – انه يتحدي المبدعين الذين أعلنوا مقاطعة الوزارة أن يقاطعوا مشروع التفرغ !! وهذا التحدي يكشف أن الأمور تسير تبعا لمعيار العلاقة التي تربط المثقف بالوزارة ، وهل هي علاقة اتفاق ، أم علاقة اختلاف ؟! ما مدي إخلاصك وعطائك ؟! تحصل عليه ثمنا لانبطاحك ، وصمتك ، وطاعتك العمياء !! وليس لأنك تستحقه بالفعل . وإذا تمردت ، أو أعلنت عصيانك ، فلن تحصل علي شيء ، وأدفع رأسك في الحائط ، لكي تريح وتستريح !! وبالفعل نري هذا المشروع الذي يشرف عليه المجلس الأعلى للثقافة أصبح رافدا من الروافد التي تُدعم موقف الأمين في تثبيت علاقته مع المثقفين الذين يسعون إليه سعيا للحصول علي حقوق غيرهم .. هناك مجموعة من التجاوزات التي يعلمها الجميع ، الناجمة عن العشوائية التي يدار بها ، والناتجة عن غياب المعايير ، والضوابط .. فمن ضمن التجاوزات التي تستحق المساءلة ، وتستحق استجواب المسئول .. حصول غير المتفرغين - بالفعل - علي التفرغ !! فهل يعقل – مثلا – أن يحصل ذلك المترجم الذي يعمل رئيسا لتحرير سلسلة أدبية ، ومشرفا علي مشروع الترجمة ، ومشاركا في لجان متعددة - أشرنا إليها من قبل - هل يُعقل أن يحصل علي منحة تفرغ ، وهو أصلا في تفرغ ؟! – علي المعاش .. وأمين المجلس الأعلى للثقافة يعلم جيدا حجم الأعمال والمهام التي يقوم بها ، وبمكافآت كبيرة ، متفرغ من ماذا ؟؟ ومتفرغ لماذا ؟؟ هذه الواقعة تُعد - بلغة القانون - تعسفا في استعمال الحق .
دعك من الكاتب الذي حصل علي منحة التفرغ لاسترضائه حين أعلن - منذ عامين- عن نية الاعتصام داخل المجلس ، احتجاجا علي اللجان التي لم تمنحه جائزة التفوق ، ودعك من الذين يحصلون علي منح التفرغ ليصرف عائدها في ( الجريون ) وغيره من بارات القاهرة .. ودعك من الأسماء الكثيرة من أصحاب المعاشات في الآداب والفنون ، الذين لا يقدمون مشاريع محددة ، وهم متفرغون بالفعل ، هذه الأسماء لا تُذكر في الكشوف المعلنة ، والمنشورة في الصحف ، فقط يمكنك أن تقرأ أسماء الكتاب الذين تقدموا عن طريق الإدارة العامة لمنح التفرغ ، وهي أسماء قليلة جدا ، أما الفئات المستثناة فتحصل علي معظم ميزانية التفرغ بدون وجه حق . من حقنا أن نتساءل : ماهي المعايير التي علي أساسها يتم منح التفرغ من عدمه ؟ وما هو المقصود - أصلا - بالمنحة ؟ وكيف نقوم بوقف مرتب المثقف الموظف الذي يحصل علي التفرغ ، ونسمح للمثقف الذي كان موظفا وأحيل إلى التقاعد بالحصول علي معاشه فضلا عن مكافأة التفرغ ؟؟ وكيف تتساوى القيمة المادية للمتفرغ الذي يعمل في الحكومة ، والمتفرغ الذي يعمل في القطاع الخاص ، أو الذي لا يُفصح عن عمله أصلا ؟؟ وكيف تعمل لجان فحص الأعمال ، أو لجان خلط الحق بالباطل!! ومن هم أعضاؤها ؟؟ إن من بين أعضائها من يحصلون علي منح التفرغ ، وفي نفس الوقت يشاركون في أعمالها .. أي هذر هذا ، وأي فوضى ، وأي عبث بأمور الثقافة في بلادنا ؟!!

هذا الجزء نشر في صحيفة العربي
الناصري في أول سبتمبر 2002

Saturday, August 11, 2007

من أين يأكل الأدباء والكتاب في مصر؟؟


أحمد عبد الرازق أبو العلا



هذا السؤال كان موضوع ندوة رمضانية ، شاركت بإبداء الرأي فيها ، وعلي الرغم من إنني اندهشت - في بداية الأمر - من السؤال نفسه ، لما ينطوي عليه من ازدراء لحال الأدباء والكتاب في مصر للدرجة التي نتساءل معها : من أين يأكلون ؟! إلا أنني وجدته سؤالا ضروريا ومنطقيا وصادما في مجتمع لايحترم كتابه ، ولا يحترم أدباءه . بالطبع يجب أن تكون الإجابة : إنهم يأكلون من عائد إبداعهم ، ومن عائد ما يكتبون ، لكن هل هذا يحدث في مصر؟! إن الأمر لا يسير علي هذا النحو ، فالكاتب لا يستطيع أن يعيش اعتمادا علي ما يكتبه ، والأديب لا يستطيع أن يعيش من إبداعه ، مهما كانت قيمة مايكتبه ، ومهما كان تأثير ما يكتبه علي الناس ، وعلي المجتمع بأسره ، وتصبح مقولة أن الكاتب والأديب هما عقل الأمة ، ومصدر ثقافتها ، تصبح مجرد مقولة مجانية ، وخادعة ، ومراوغة ، فكيف يكون صناع عقلها وفكرها ، يدورون في تلك الدائرة الجهنمية ، التي تدفعهم دفعا نحو البحث عن لقمة العيش ، بعيدا عن الآبداع ، وبعيدا عن الكتابة ، وكأن الكتابة ليست مهنة ، يستحق من يمارسها أن يحصل علي عائد منها !! يدور بحثا عن رزقه مثلما يبحث عن الرزق أي مواطن عادي ، ربما يكون متكاسلا مثلا ، وربما يكون بليدا ، في الوقت الذي يجلس فيه بلداء آخرون ، وطفيليون ، علي مكاتبهم ، ويدخلون في صفقات مشبوهة ، أو يتاجرون في سلع ممنوعة ، أو يمارسون لعبة غسيل الأموال ، ونجد الملايين تندفع إلي خزائنهم ، وربما المليارات ، ونري كاتبا مثل نجيب محفوظ - قبل أن يحصل علي نوبل - لايستطيع العيش اعتمادا علي حرفة الأدب ، بدليل أنه ظل موظفا لسنوات كثيرة من عمره المديد ، وإذا سألت الواحد من هؤلاء الذين يرزقون من حيث لا يحتسبون : من هو شكسبير ، أو من هو نجيب محفوظ ، ربما أجابك بأن شكسبير هو وزير السياحة ، ويمط شفتيه ويلوي بوزه إذا سألته من هو نجيب محفوظ !؟ أليست هذه المسألة جديرة بالاهتمام ، وبالتساؤل -أيضا - أليست هذه المسألة جديرة بأن تدفعنا إلي الحزن ، بل والحزن الشديد جدا علي أحوالنا؟ لماذا صار حال الأدباء والكتاب في مصر علي هذا النحو من التدني ، والفقر ؟! وعلي من تقع المسؤولية؟ علي الأديب ؟ أم الدولة ؟ أم المناخ السائد ؟ أم ماذا ؟؟ ولماذا يحدث هذا الإهمال للأدباء في مصر - ومصر بالذات -؟! في الوقت الذي كانت فيه دول الخليج تسعي سعيا حثيثا نحو الكتاب والأدباء المصريين لنشر أعمالهم ، ومقالاتهم ، وكتاباتهم المتنوعة ، في مجلاتها وصحفها ، وحققت - من ورائهم- ازدهارا وتواجدا ، وكانت تجزل لهم العطاء ، في الوقت الذي لم يكن الكتبة قد ظهروا علي الساحة بعد، وقبل أن يقوموا بسحب البساط من تحت أقدام الكتاب والأدباء الحقيقيين ، مما دفع القائمون علي أمور الثقافة في تلك البلاد ، إلي التعامل مع الكل بطريقة غير حضارية ، وبطريقة أقل ما يمكن أن يقال عنها ، إنهم تدافعوا للتقليل من شأن الكاتب المصري ، والأديب المصري ، بل وامتلأت قلوبهم حقدا علي معظم الكتاب ، وبالتالي وجد الأديب نفسه يدور في تلك الدائرة الجهنمية التي تحدثنا عنها من قبل ،دائرة البحث عن لقمة العيش ، التي لا يستطيع توفيرها بطريقة تحفظ له كرامته ، وتصون ماء وجهه ، في الداخل والخارج . المسؤولية تقع - في اعتقادي - علي الدولة نفسها - في المقام الأول- لأن السلطة الدكتاتورية ، تسعي دائما إلي تثبيت وجودها ، بأي طريقة مشروعة ، أو غير مشروعة ، والكاتب والأديب والمثقف - وحدهم - القادرون علي كشف أساليبها ، وفضح منهجها ، ولذلك يكون تعمد الازلال ، لكي ينشغلوا - جميعا - عنها بالبحث عن لقمة العيش ، وهدفها من ذلك إهماله ، وإهمال أحواله ، ووضعه - دائما - في آخر الطابور ، وتعريته ، ووضعه في مجتمع لا يوفر له مظلة الحماية المادية ، التي تكفل له العيش السليم ، وتجعله يتفرغ ، للكتابة ، والإبداع ، بعكس ما يحدث للكتاب والأدباء في الخارج .
لقد قرأنا السير الذاتية لمعظم الكتاب في الغرب والشرق ، وعرفنا كم كانوا يتعذبون ويعملون في ظل ظروف مادية قاسية ، وبعضهم كان يعمل أعمالا دنيا ، من أجل أن يسد رمقه ، ولا يموت جوعا - ومنهم جوركي أعظم كاتب روسي ، حيث عمل ماسحا للأحذية - لكنه وبمجرد أن يصدر عمله الأول ، مسرحية ، أو رواية ، أو قصة ، ينتقل إلي مكانة أخري ، ويعيش استنادا علي عمله ، عيشة كريمة ، ويتسابق الكل من أجل دفعه نحو الإنتاج ، ودفعة إلي المزيد من الإبداع .. لكنهم في مصر ، يدفعون الأديب والكاتب ، نحو المزيد من الفقر ، والتعاسة ، والإحباط ، والازدراء من قبل المحيطين به !!لكي يترك السلطة الجائرة في حالها ، ويرحل من ساحة الكتابة ، تاركا لهم الجمل بما حمل ، باحثا عن أي مهنة أخري ، لا تكون سببا في تعاسة المسئولين ، ورجال السلطة ، ورجال الحكم . والأدلة والبينة واضحة وضوح الشمس ، هل يدفع جهاز التلفزيون أي مكافأة للمتحدثين في برامجه من الكتاب والأدباء ؟؟ وهل تدفع الإذاعة مكافآت - أيضا - للمتحدثين في برامجها ؟؟ وهل تُعطي المجلات الأدبية والثقافية المتخصصة مكافآت تضمن للكاتب والأديب أن يعيشا عيشا كريما من عائد ما يكتبانه ؟؟ وهل تدفع الصحف لمن يكتبون فيها من غير الصحفيين ؟ وهل تعطي للكاتب والأديب منح تفرغ بدون أن يريق ماء وجهه ، ويقف متسولا علي أبواب السيد وزير الثقافة ، والسيد أمين عام المجلس الأعلى للثقافة ، وبدون أن يمسح جوخا للسيد رئيس لجنة التفرغ ؟؟ وهل يؤمن كل هؤلاء بحق الأديب بأن يعيش بطريقة كريمة ؟؟ أعتقد أن الإجابة علي كل الأسئلة السابقة ستكون بالنفي ، فلا الإذاعة تدفع ، ولا التلفزيون يدفع ، ولا الصحف ، ولا المجلات ، يدفعون ، ولا السيد وزير الثقافة ، يفعل ما يجب عليه من تأمين حياة المبدعين في مصر ،و الكتاب ، لأنه حولهم إلي رهائن في حظيرته ، يدفع إليهم بكميات العلف ، كل علي حسب مقاسه ، ودرجة انبطاحه ، ودرجة نفاقه ، ودهائه ، ومكره ، وكل المؤسسات الثقافية والإعلامية في مصر ، تُخرج لسانها للكاتب والأديب ، وتقول لهما لن تأخذا منا شيئا ، إلا إذا كنتما من مريدينا وأصدقائنا ، تقول للكاتب لابد أن تمارس لعبة التسول !! ، والسؤال هو : من يقبل أن يفعل هذا ، كما تريد السلطة من الجميع أن يفعلون!! وكما تريد منهم المؤسسة ، لن يفعل هذا - بالطبع - إلا المدعي والكاذب ، والضعيف ، وغير الموهوب ، وهؤلاء للأسف الشديد هم اللذين يأكلون ، وربما نجدهم يأكلون علي كل الموائد ، ويتخمون ، وغيرهم من الكتاب والأدباء ، الرافضين للطاعة ، والخنوع ، والابتذال ، لايجدون ما يسد رمقهم ، لكنهم يعيشون بكبرياء المبدع الحقيقي ،ومسؤولية الكاتب الملتزم ، ولكن هل مطلوب منا أن نكتفي أو نرضي بهذا ؟؟ لا ينبغي أن نرضي ، لأن الوطن للجميع ، وليس وطن الحكام فقط ، الوطن وطن الجميع ، وعلينا أن نطالبه بأن يعطينا حقنا ، تماما كما يطالبنا هو أن نعطيه حقه من الولاء ، ومن الحب ، ومن التضحية ، لابد أن نُجبر الدولة علي احترام الأدباء والكتاب ، ونُجبر المسئولين علي مزاولة واجبهم بعيدا عن متطلبات وأساليب السلطة التي ترغب في نفي الكاتب والمثقف والأديب ، علينا أن نستعيد قدرتنا - من جديد - من اجل أن تسعي السلطة نحو المثقف ، وربما تغازله ، لا أن يسعي هو إليها ويغازلها كما يحدث الآن ، علينا أن نطالب بالحماية القانونية لحقوق الأدباء والكتاب ، وضرورة تطبيق قانون حماية حق المؤلف ، وقانون حق الأداء العلني ، فمن العيب أن تكون هنالك حماية قانونية للمطربين وكتاب الأغنية ، ولا تكون الحماية نفسها قائمة للكتاب والأدباء !! علينا أن نصرخ في وجه الجهات المسئولة ، ونقول لهم كفي استهتارا بحقوق الأدباء والكتاب ، كفي استهتارا ، برموز الأمة ، كفي توزيعا للكعكة المسمومة علي المريدين والمنبطحين ، والكتبة والخدم ، قمتم بهذا علي حساب الكتاب والأدباء ، والملتزمين ، والمعارضين للسياسات ، والرافضين للأكل علي كل الموائد . كفي ..