Saturday, August 11, 2007

من أين يأكل الأدباء والكتاب في مصر؟؟


أحمد عبد الرازق أبو العلا



هذا السؤال كان موضوع ندوة رمضانية ، شاركت بإبداء الرأي فيها ، وعلي الرغم من إنني اندهشت - في بداية الأمر - من السؤال نفسه ، لما ينطوي عليه من ازدراء لحال الأدباء والكتاب في مصر للدرجة التي نتساءل معها : من أين يأكلون ؟! إلا أنني وجدته سؤالا ضروريا ومنطقيا وصادما في مجتمع لايحترم كتابه ، ولا يحترم أدباءه . بالطبع يجب أن تكون الإجابة : إنهم يأكلون من عائد إبداعهم ، ومن عائد ما يكتبون ، لكن هل هذا يحدث في مصر؟! إن الأمر لا يسير علي هذا النحو ، فالكاتب لا يستطيع أن يعيش اعتمادا علي ما يكتبه ، والأديب لا يستطيع أن يعيش من إبداعه ، مهما كانت قيمة مايكتبه ، ومهما كان تأثير ما يكتبه علي الناس ، وعلي المجتمع بأسره ، وتصبح مقولة أن الكاتب والأديب هما عقل الأمة ، ومصدر ثقافتها ، تصبح مجرد مقولة مجانية ، وخادعة ، ومراوغة ، فكيف يكون صناع عقلها وفكرها ، يدورون في تلك الدائرة الجهنمية ، التي تدفعهم دفعا نحو البحث عن لقمة العيش ، بعيدا عن الآبداع ، وبعيدا عن الكتابة ، وكأن الكتابة ليست مهنة ، يستحق من يمارسها أن يحصل علي عائد منها !! يدور بحثا عن رزقه مثلما يبحث عن الرزق أي مواطن عادي ، ربما يكون متكاسلا مثلا ، وربما يكون بليدا ، في الوقت الذي يجلس فيه بلداء آخرون ، وطفيليون ، علي مكاتبهم ، ويدخلون في صفقات مشبوهة ، أو يتاجرون في سلع ممنوعة ، أو يمارسون لعبة غسيل الأموال ، ونجد الملايين تندفع إلي خزائنهم ، وربما المليارات ، ونري كاتبا مثل نجيب محفوظ - قبل أن يحصل علي نوبل - لايستطيع العيش اعتمادا علي حرفة الأدب ، بدليل أنه ظل موظفا لسنوات كثيرة من عمره المديد ، وإذا سألت الواحد من هؤلاء الذين يرزقون من حيث لا يحتسبون : من هو شكسبير ، أو من هو نجيب محفوظ ، ربما أجابك بأن شكسبير هو وزير السياحة ، ويمط شفتيه ويلوي بوزه إذا سألته من هو نجيب محفوظ !؟ أليست هذه المسألة جديرة بالاهتمام ، وبالتساؤل -أيضا - أليست هذه المسألة جديرة بأن تدفعنا إلي الحزن ، بل والحزن الشديد جدا علي أحوالنا؟ لماذا صار حال الأدباء والكتاب في مصر علي هذا النحو من التدني ، والفقر ؟! وعلي من تقع المسؤولية؟ علي الأديب ؟ أم الدولة ؟ أم المناخ السائد ؟ أم ماذا ؟؟ ولماذا يحدث هذا الإهمال للأدباء في مصر - ومصر بالذات -؟! في الوقت الذي كانت فيه دول الخليج تسعي سعيا حثيثا نحو الكتاب والأدباء المصريين لنشر أعمالهم ، ومقالاتهم ، وكتاباتهم المتنوعة ، في مجلاتها وصحفها ، وحققت - من ورائهم- ازدهارا وتواجدا ، وكانت تجزل لهم العطاء ، في الوقت الذي لم يكن الكتبة قد ظهروا علي الساحة بعد، وقبل أن يقوموا بسحب البساط من تحت أقدام الكتاب والأدباء الحقيقيين ، مما دفع القائمون علي أمور الثقافة في تلك البلاد ، إلي التعامل مع الكل بطريقة غير حضارية ، وبطريقة أقل ما يمكن أن يقال عنها ، إنهم تدافعوا للتقليل من شأن الكاتب المصري ، والأديب المصري ، بل وامتلأت قلوبهم حقدا علي معظم الكتاب ، وبالتالي وجد الأديب نفسه يدور في تلك الدائرة الجهنمية التي تحدثنا عنها من قبل ،دائرة البحث عن لقمة العيش ، التي لا يستطيع توفيرها بطريقة تحفظ له كرامته ، وتصون ماء وجهه ، في الداخل والخارج . المسؤولية تقع - في اعتقادي - علي الدولة نفسها - في المقام الأول- لأن السلطة الدكتاتورية ، تسعي دائما إلي تثبيت وجودها ، بأي طريقة مشروعة ، أو غير مشروعة ، والكاتب والأديب والمثقف - وحدهم - القادرون علي كشف أساليبها ، وفضح منهجها ، ولذلك يكون تعمد الازلال ، لكي ينشغلوا - جميعا - عنها بالبحث عن لقمة العيش ، وهدفها من ذلك إهماله ، وإهمال أحواله ، ووضعه - دائما - في آخر الطابور ، وتعريته ، ووضعه في مجتمع لا يوفر له مظلة الحماية المادية ، التي تكفل له العيش السليم ، وتجعله يتفرغ ، للكتابة ، والإبداع ، بعكس ما يحدث للكتاب والأدباء في الخارج .
لقد قرأنا السير الذاتية لمعظم الكتاب في الغرب والشرق ، وعرفنا كم كانوا يتعذبون ويعملون في ظل ظروف مادية قاسية ، وبعضهم كان يعمل أعمالا دنيا ، من أجل أن يسد رمقه ، ولا يموت جوعا - ومنهم جوركي أعظم كاتب روسي ، حيث عمل ماسحا للأحذية - لكنه وبمجرد أن يصدر عمله الأول ، مسرحية ، أو رواية ، أو قصة ، ينتقل إلي مكانة أخري ، ويعيش استنادا علي عمله ، عيشة كريمة ، ويتسابق الكل من أجل دفعه نحو الإنتاج ، ودفعة إلي المزيد من الإبداع .. لكنهم في مصر ، يدفعون الأديب والكاتب ، نحو المزيد من الفقر ، والتعاسة ، والإحباط ، والازدراء من قبل المحيطين به !!لكي يترك السلطة الجائرة في حالها ، ويرحل من ساحة الكتابة ، تاركا لهم الجمل بما حمل ، باحثا عن أي مهنة أخري ، لا تكون سببا في تعاسة المسئولين ، ورجال السلطة ، ورجال الحكم . والأدلة والبينة واضحة وضوح الشمس ، هل يدفع جهاز التلفزيون أي مكافأة للمتحدثين في برامجه من الكتاب والأدباء ؟؟ وهل تدفع الإذاعة مكافآت - أيضا - للمتحدثين في برامجها ؟؟ وهل تُعطي المجلات الأدبية والثقافية المتخصصة مكافآت تضمن للكاتب والأديب أن يعيشا عيشا كريما من عائد ما يكتبانه ؟؟ وهل تدفع الصحف لمن يكتبون فيها من غير الصحفيين ؟ وهل تعطي للكاتب والأديب منح تفرغ بدون أن يريق ماء وجهه ، ويقف متسولا علي أبواب السيد وزير الثقافة ، والسيد أمين عام المجلس الأعلى للثقافة ، وبدون أن يمسح جوخا للسيد رئيس لجنة التفرغ ؟؟ وهل يؤمن كل هؤلاء بحق الأديب بأن يعيش بطريقة كريمة ؟؟ أعتقد أن الإجابة علي كل الأسئلة السابقة ستكون بالنفي ، فلا الإذاعة تدفع ، ولا التلفزيون يدفع ، ولا الصحف ، ولا المجلات ، يدفعون ، ولا السيد وزير الثقافة ، يفعل ما يجب عليه من تأمين حياة المبدعين في مصر ،و الكتاب ، لأنه حولهم إلي رهائن في حظيرته ، يدفع إليهم بكميات العلف ، كل علي حسب مقاسه ، ودرجة انبطاحه ، ودرجة نفاقه ، ودهائه ، ومكره ، وكل المؤسسات الثقافية والإعلامية في مصر ، تُخرج لسانها للكاتب والأديب ، وتقول لهما لن تأخذا منا شيئا ، إلا إذا كنتما من مريدينا وأصدقائنا ، تقول للكاتب لابد أن تمارس لعبة التسول !! ، والسؤال هو : من يقبل أن يفعل هذا ، كما تريد السلطة من الجميع أن يفعلون!! وكما تريد منهم المؤسسة ، لن يفعل هذا - بالطبع - إلا المدعي والكاذب ، والضعيف ، وغير الموهوب ، وهؤلاء للأسف الشديد هم اللذين يأكلون ، وربما نجدهم يأكلون علي كل الموائد ، ويتخمون ، وغيرهم من الكتاب والأدباء ، الرافضين للطاعة ، والخنوع ، والابتذال ، لايجدون ما يسد رمقهم ، لكنهم يعيشون بكبرياء المبدع الحقيقي ،ومسؤولية الكاتب الملتزم ، ولكن هل مطلوب منا أن نكتفي أو نرضي بهذا ؟؟ لا ينبغي أن نرضي ، لأن الوطن للجميع ، وليس وطن الحكام فقط ، الوطن وطن الجميع ، وعلينا أن نطالبه بأن يعطينا حقنا ، تماما كما يطالبنا هو أن نعطيه حقه من الولاء ، ومن الحب ، ومن التضحية ، لابد أن نُجبر الدولة علي احترام الأدباء والكتاب ، ونُجبر المسئولين علي مزاولة واجبهم بعيدا عن متطلبات وأساليب السلطة التي ترغب في نفي الكاتب والمثقف والأديب ، علينا أن نستعيد قدرتنا - من جديد - من اجل أن تسعي السلطة نحو المثقف ، وربما تغازله ، لا أن يسعي هو إليها ويغازلها كما يحدث الآن ، علينا أن نطالب بالحماية القانونية لحقوق الأدباء والكتاب ، وضرورة تطبيق قانون حماية حق المؤلف ، وقانون حق الأداء العلني ، فمن العيب أن تكون هنالك حماية قانونية للمطربين وكتاب الأغنية ، ولا تكون الحماية نفسها قائمة للكتاب والأدباء !! علينا أن نصرخ في وجه الجهات المسئولة ، ونقول لهم كفي استهتارا بحقوق الأدباء والكتاب ، كفي استهتارا ، برموز الأمة ، كفي توزيعا للكعكة المسمومة علي المريدين والمنبطحين ، والكتبة والخدم ، قمتم بهذا علي حساب الكتاب والأدباء ، والملتزمين ، والمعارضين للسياسات ، والرافضين للأكل علي كل الموائد . كفي ..