Thursday, August 16, 2007

وقائع الدخول إلى وزارة الثقافة من أبواب الخدم!!



أحمد عبد الرازق أبو العلا

حين أتأمل أحوال المثقفين في بلادي ، خاصة هؤلاء المنبطحون ، الزاحفون علي بطونهم سعيا نحو الساسة ، يعلنون ولاءهم لأولياء نعمتهم ، يدافعون عنهم - بغير حق غالبا - بغية الحصول علي الرضا التام ، ومزيد من الغنائم والهبات، وهم - في سبيل هذا – يمارسون كافة الأساليب الانتهازية لتحقيق ما يريدون !! انهم يتجردون من فضيلة الجسارة التي هي سمة من سمات المثقف الحقيقي ، المؤمن بقدراته وإمكاناته ، ويركنون إلى الخوف الذي هو سمة من سمات المثقف الانتهازي الذي يعلم أنه لا يملك شيئا يستطيع الدفاع عنه ، ولا يملك الموهبة التي تعصمه من الوقوع في دائرة الاشتباه !
هؤلاء يدخلون الحياة الثقافية من أبواب الخدم !! أبواب الخدم التي رفض (بتهوفن ) " 1770- 1827الدخول منها ، حين دعاه أحد البارونات الألمان ليعزف بعض المقطوعات الموسيقية لأستاذه ( هيدن) الذي رشحه للقيام بهذه المهمة ، وكان النبلاء والبارونات في تلك الفترة ، ينظرون الي الموسيقيين والفنانين باعتبارهم - وبلغتنا – عوالم !! ومن ثم لا ينبغي لهم الدخول من أبواب السادة ! لكن ( بتهوفن ) رفض طلب الحارس ، و أصر علي الدخول من الباب الواسع .. وفي القاعة عزف مقطوعة موسيقية من تأليفه هو ، وليس من تأليف أستاذه ( هايدن ) كما كان مقررا . فعل هذا - برغم صغر سنه وحداثة تجربته وعدم معرفة الناس له- احتراما للفنان المثقف في داخله ، احتراما لنفسه ، ولم يتجرد من فضيلة الجسارة ، ولم يفكر في النتائج والتبعات التي يمكن أن يجرها عليه موقفه ، فكر كانسان مثقف ، مستقل ، علي الآخرين أن يتقبلوه هكذا لما يريد هو ، لا كما يريدون . هذا السلوك يقوي ويدعم الحياة الثقافية ، كما قويت بالمثقفين في عصر النهضة – القرن الثامن عشر – ونري الحياة الثقافية في مصر الآن ضعفت وهزلت ، وما كان لها أن تضعف ويصيبها الهزال والمرض ، لو أن المثقفين وقفوا وقفة جادة ، من أجل النهوض بها من عثرتها ، لو أنهم قد تخلوا عن اللهاث والسعي للدخول إلى حظيرة وزارة الثقافة . ماذا فعل البارون مع (بتهوفن ) حين عرف موقفه ؟؟ قابله ، وأثني عليه ، وقام من مكانه ، وصافحه قائلا : أحترم فيك كل هذا .. وأرجو أن تقبل صداقتي !! هذه الحكاية الواقعية الطريفة تكشف ، أن المثقف الملتزم ، المؤمن بدوره ، وفكره وعقله ، هو القادر علي إجبار الساسة والحكام علي احترامه والسعي إليه . عليهم - جميعا - أن يندفعوا إلى ساحته ، لا أن يندفع هو إلى ساحتهم .

الالتفاف حول الكعكة المسمومة ..
أثناء اندلاع الأزمة التي عرفت باسم ( أزمة الروايات الثلاث) – يناير 2001والتي كان من نتائجها قيام وزير الثقافة بإقالة رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة ، وتنحية وابعاد بعض المثقفين العاملين بإدارة النشر - وكنت واحدا من الذين شملهم قرار الإبعاد وما زلت- اندهشت لموقف الوزير الذي تغير فجأة ، فبعد وقوفه في خندق المثقفين الذين ساندوه عقب أزمة رواية( وليمة لأعشاب البحر )- 2000- دفاعا عن نفس القضية التي طرحت نفسها من جديد : قضية حرية الرأي والتعبير ، اندهشت لوقوفه في خندق خصوم الأمس ، وبررت أن موقفه جاء لاعتبارات وظيفية .. سياسية .. أمنية .. إلى آخر ما يمكن لك أن تذكره من مبررات ، ربما تكون حقيقية ، وربما لا تكون كذلك . لكن ما أدهشني حقيقة ، هو موقف أمين عام المجلس الأعلى للثقافة- سأتناوله بعد قليل- ، وعدد من المثقفين الذين تطوعوا وانبروا يدافعون – مغالطة – عن الموقف الغامض للوزير !! واخلاصهم في الدفاع وحماسهم في الهجوم علي الفئة التي نادت بضرورة إفساح المجال أمام الكاتب للتعبير الحر ،جعلني أتابع مواقفهم غير الواضحة تجاه قضايانا القومية ، وأتعجب لأنهم لم يشيروا- من قريب أو من بعيد -إليها في كتاباتهم ! فكروا في تلك اللحظة الشيطانية في شيء واحد ، وهو الحصول علي المنح والعطايا لأن كل شيء بمقابل !! وبالفعل تم توزيع الكعكة المسمومة عليه ، وأخذ كل واحد منهم نصيبه منها : أصبح هذا مشرفا عاما علي المشروع القومي للترجمة ،وأصبح ذاك رئيسا لتحرير مجلة أدبية أنشئت خصيصا لسيادته - بمقر متميز- في حين أن مجلة (الثقافة الجديدة) التي شرفت بإدارة تحريرها لأكثر من عشر سنوات لم تتوقف فيها شهرا واحدا ، كانت بلا مقر ، وبلا جهاز مالي أو أداري يتابع أعمالها ، وكل ما كانت تملكه المجلة دولاب خشبي صغير، في غرفة صغيرة ، أو بالأحرى فرندة إدارة النشر بالهيئة العامة لقصور الثقافة .وأسندت إلى آخر مهمة رئاسة تحرير هذه المجلة بعد الاتفاق علي تغيير لائحتها ، والبحث عن مقر لائق !! وهكذا تتوالى العطايا والهبات للذين لا يقولون (لا) ! وأقل هذه الهبات : التي حصل عليها المدافعون : رئاسة تحرير سلسلة أدبية ، من السلاسل التي تصدرها هيئات الوزارة ، أو الحصول علي منح تفرغ ، لا يستحقونها ، لأنهم - أصلا - علي المعاش ولا يعملون شيئا .. هؤلاء المنبطحون يأكلون علي كل الموائد : السفر إلى الخارج – منح التفرغ – لجان المجلس الأعلى للثقافة – الجوائز- المكافآت .. كتب مكتبة الأسرة كل عام .. الخ ..كلهم معروفون بالاسم ،والحياة الثقافية تعرفهم ، ولا تجهل أفعالهم .. هم - غالبا -لا يملكون الموهبة التي تساعدهم علي الدخول من الأبواب الواسعة ، ففضلوا الدخول من الأبواب الضيقة .. أبواب الخدم !! تراجع فكر الاستنارة .. أشرت من قبل إلى اندهاشي من موقف أمين عام المجلس الأعلى للثقافة ، أثناء أزمة ( الروايات الثلاث) بسبب تخليه عن موقفه المساند لفكر ( الاستنارة ) -علي حد تعبيره - فبعد إدانته للكُتاب والروايات ، ترك الساحة المشتعلة ، وآثر السلامة ، وذهب إلى أمريكا ، وعاد بعد هدوء العاصفة ، ليعلن أن فكر الاستنارة كان رهينا بظروف معينة ، هذه الظروف تغيّرت ، والمناخ لم يعد هو نفسه قبل احتضان الفكرة ولذلك لم يعد يتكلم عن نموذج المثقف التقليدي ، الذي ينقلب إلى متعصب ديني ، ذلك النموذج الذي أدانه كثيرا من قبل ، في الوقت الذي أرادوا منه هذه الادانه !!
أدانه حين وقف في خندق الوزارة ، أثناء تبنيها لهذا الفكر ، ثم تخلي عنه حين أرادت تهميش الفكر وزحزحته لفترة ، كيف نصدقه حين كتب يقول :" إن المثقف التقليدي الذي ينقلب إلى متعصب ديني ، ينطوي في داخله علي رغبة تدمير العالم المدني ، الذي لا يستجيب إلى نواهيه ، فضلا عن انحيازه إلى تيارات النقل الجامدة ، وآلية تفكيره الذي يقصر الحق علي ما أنتهي إليه ، والباطل علي ما أنتهي إليه المختلف عنه ، مقرنا الحق بالحقيقة التي ينجو من يتبعها ، والباطل بضلالة المعصية ، المفضية إلى النار ، ويتعلم إيثار الاتباع علي الابتداع " هذا الكلام النظري الجاف - علي الرغم من صحته إذا كان صادرا عن شخص آخر مؤمن فعلا بهذه الفكرة- مجرد بالونات فارغة ، سريعا ما تنفجر بمجرد اصطدامها بتيار هوائي خفيف ..
كيف نصدقه حين يتكلم عن فكر المثقف التقليدي ، وهو في مجلسه الموقر ، يحتضن أنصار هذا الفكر ، ويقوي شوكتهم في مواجهة التيارات المستنيرة التي رفض أصحابها الانضمام إلى لجان خلط الأوراق ، ولجان خلط الحق بالباطل ؟! اللجان التي رشحت أسماء بعينها للحصول علي أكبر الجوائز ، واستبعدت أسماء أخري تستحق ، وتدخله المعلن والخفي في أعمال اللجان ، يكشف أن أفرادها مختارون بعناية ، حتى يستطيع التأثير عليهم لتلبية رغباته .. وهذا من الأمور التي لا تخفي علي أحد ، ولا ينكرها إلا جاحد مستفيد .. انه عصر ( الألياث والحبابكة ) علي حد تعبير الشاعر ( حسن طلب) حين كتب عنهم - في نفس هذا المكان - منذ سنوات قليلة . الألياث والحبابكة الذين استمرؤا الخطيئة ومارسوها بمتعة شاذة ، لوثت صورة الحياة الثقافية التي ما عاد لها كبير ، وما عاد لها ضابط ولا رابط !! فهاهم صبيان أمين المجلس الأعلى للثقافة ، صاروا يتجولون في ردهاته ولجانه ، يعبثون بكل شيء ما شاء لهم العبث ، لدرجة أننا لم نكن نتخيل أن واحدا منهم يمكن أن يحل محل الناقد الراحل الدكتور عبد القادر القط ليؤدي مهامه في اللجنة العليا للتفرغ ، ويحصل علي توقيع أعضائها الآخرين علي محضر الجلسة ، الذي قام بصياغته ، خشية الوشاية بهم عند الأمين !! ثقافة السمع .. وخطيئة المثقف الانتهازي.. "لا يحرز الإنسان النبل والشرف ، ولا يستحق الإعجاب والإجلال بالمثابرة علي محو ما فيه من الخصائص ، بل بتنميتها وتربيتها ، علي شرط أن لا تجور علي مصالح الغير وحقوقهم” كلما قرأت هذه الكلمات التي كتبها ( جون ستيوارت ميل) ، وتأملت أحوال المثقفين ، وممارستهم ، شعرت بحزن عميق علي ما آلت إليه حياتنا الثقافية الآن ، لقد أصيبت بالسكتة القلبية ، من جراء ما فعله هؤلاء بها ، فالنبل والشرف لم يعدا – وحدهما- هما الوسيلة أو القيمة التي يحصل بها المثقف علي إعجاب الآخرين به ، وإجلالهم له !! أرأيت معي كيف أن قتامة الواقع وتراجع القيم النبيلة أمام القيم الصدئة المهترئة ، كل هذا يبعث إلى النفس الأسى ؟!وكواحد من الذين رأوا عن قرب بعض ممارسات هؤلاء، أشهد أنهم ينبطحون انبطاحا مشينا يدعو إلى الأسى عليهم ، وسوف أذكر الآن موقفا واحدا لبعضهم – وسأرجئ مواقفهم في مناسبة أخري- حين قام السفاح شارون وجنوده باقتحام المسجد الأقصى و قتل عددا من الفلسطينيين الموجودين فيه ، وانتفض أبناء الشعب الفلسطيني بثورة الغضب ، في ظل تلك الظروف ، اقترح عدد من أعضاء مجلس إدارة اتحاد الكتاب – مجلس فاروق شوشة – إصدار بيان عن الاتحاد يدين الممارسات الصهيونية التي تواجه هذا الشعب ، فتم تكليف السيد رئيس لجنة الحريات بكتابة البيان ، لكنه أختفي تماما ، لا نعرف أين ؟! وحين قامت الدنيا ولم تقعد عقب أزمة ( الروايات الثلاث) ، وتم طرح الموضوع علي أعضاء المجلس الموقر - وكنت واحدا من أعضائه- ظل مختفيا أيضا ،لأن الأوامر حذرته بضرورة الابتعاد عن هذا النشاط ، الذي يحتضنه الغوغاء – هذه هي العبارة التي أطلقها فاروق شوشة أمام الجمعية العمومية في آخر اجتماع له معها – لأنه مرشح لمنصب كبير ، يتطلب قدرا من الكياسة والتعقل ، وهو أعلم الناس بمصلحته ! وبالفعل حصل علي المنصب ، وبعدها بقليل – وبسبب صمته ونتيجة لطاعته العمياء وعدم وضوح مواقفه – أسندت إليه مهمة الكتابة بشكل منتظم في اكبر صحيفة قومية في مصر !!
ولأنهم – جميعا – ينتظرون العطايا فقد قاموا بصياغة بيان هزيل لا يعبر إلا عنهم فقد ساندوا مساندة كبيرة إجراءات وزير الثقافة -الذي وعدهم قبلها بقليل بدعم نشاط الاتحاد بمبلغ (250 ألف جنيه ) لم تصل حتى الآن!! - وأدانوا الكتاب أصحاب الروايات ..وأصبح البيان دليل اتهام جديد صادر من جهة نقابية ، من المفترض لها أن تقف في خندق المدافعين وليس العكس ، وشعرت - أيامها - أن اتحاد الكتاب أصبح مؤسسة من مؤسسات وزارة الثقافة ، فقد استقلاله بوصفه نقابة مهنية !!
والأدهي - من كل هذا - أن معظم الأعضاء الذين شاركوا في المناقشات ، وقاموا بإدانة الكتاب والروايات ، بما فيهم رئيس الاتحاد ونائبه ، لم يقرؤوا تلك الروايات ، بدليل أنهم طالبوني بإحضارها إليهم لقراءتها !! إذن كيف استطاعوا - بكل هذا الحماس - أن يقدموا دليل الإدانة ؟؟
إنها ثقافة السمع ، ثقافة الكسالى الذين لا يريدون التعب ، ويفضلون استعمال آذانهم وإلغاء كل الحواس الأخرى ، فهذه الحاسة لا تتطلب مجهودا ولا معاناة ، اعتمادا علي السمع وحده ، تكون المواقف ، وتكون الإجراءات .. أي هذر هذا ؟! وأي استخفاف بأمور الثقافة والفكر في بلادنا ؟!

هذا الجزء نشر في صحيفة العربي الناصري في 11 أغسطس 2002


وقائع أخري من زمن الانبطاح :

هل كان الصياد الهندي ، الفقير الذي تعرّض للعواصف ، وخطر أمواج البحر العاتية ، وهو لا يملك إلا مركبا صغيرا جدا ، هل كان مخطئا حين واجه الخطر بقذف المجداف في المياه صائحا : لا أخاف من شيء .. لا آمل في شيء ، لا أطمع في شيء.. أنا حر . لا أعتقد أنه كان مخطئا أبدا ، وأجد نفسي – الآن – أردد وراءه العبارة البليغة التي قالها الصياد ، ووضعها الكاتب اليوناني ( نيقوس كازانتزاكيس) علي قبره ، إيمانا منه بقيمة الحرية التي ينبغي علي المثقف أن يتحلي بها ، لا أن يصبح تابعا ذليلا ، فاقدا لارادته ، فاقدا لضميره . إن المثقف الحر الملتزم يعمل خارج أبنية السلطة ، ويعبر عن رأيه بوضوح دفاعا عن المبادئ الثقافية العليا .
ولا أعتقد أن طغيان المثقف المنبطح وانتهازيته ، يجد تبريرا مقنعا لديك ، لأن سلوكه يُشعرك - كما يشعرني - دوما بالألم ، فتكون الكتابة هي السبيل الوحيد للمواجهة ، ودفع الأذى عن النفس ، نعم أيها الطغيان ، أعرف أني أتألم منك كثيرا ، لكنك ستموت ..
ولعلنا نتذكر ( رءوف علوان ) في رواية ( اللص والكلاب) لنجيب محفوظ ، تلك الشخصية تعد نموذجا صارخا للمثقف الانتهازي ، فمنذ أن كان طالبا في الجامعة ، وهو يدفع ( سعيد مهران) - العامل بالمدينة الجامعية – إلى السرقة ، مبررا ذلك الفعل الإجرامي ، بأنه الوسيلة الوحيدة أمامه، لاسترداد الحق الضائع !! ونتتبع مع الكاتب ، المراحل التي تطورت فيها انتهازيته ، حتى استطاع أن يكون رئيسا لتحرير إحدى الصحف ، ساعتها فقط ، أدرك أن ( سعيد مهران ) أصبح خطرا يطارده ، والتخلص منه ، خير وسيلة للحفاظ علي المكاسب التي حصل عليها ، وهذا ما دفع ( مهران ) بعد أن أدرك - هو الآخر - ذلك السلوك الانتهازي غير المسئول ، إلى المواجهة والانتقام ثأرا لنفسه وللآخرين معا . .
ونتذكر - أيضا - ( سرحان البحيري ) في رواية ( ميرامار ) ، الانتهازي الذي شارك في منظمات ما قبل الثورة بدون إيمان حقيقي ، ثم استفاد من ظروف ما بعد الثورة ، ومن خلال عمله وكيلا لحسابات شركة من شركات الثورة ، قام باختلاس أموالها ، أقام علاقات مع أبناء الطبقة التي يكرهها تحقيقا للمنفعة الخاصة ، حتى نظرته للزواج ، نظرة انتهازية ، يقول : الزواج مؤسسة .. شركة كالشركة التي أعمل وكيلا لحساباتها ، إذا لم يرفعني من ناحية الأسرة درجة ، فما جدواه؟! لقد وضع نجيب محفوظ نهاية لهذا الشخصية تتوافق مع سلوكه وتكوينه النفسي ، الانتحار .. " حين أدرك حدة التناقض بين ما يدعيه من ثورية ، وبين شروعه بسرقة الثورة " .
ومثل الانتهازي كمثل عشب ( الحامول ) الذي يتسلق علي ساق نبات آخر يجاوره ، ويتحامل عليه ، مستمدا منه القوة ، والوجود ، وإذا لم يجد تلك الساق ، فسرعان ما يسقط ويموت ، لأنه لم يتعود الحياة معتمدا علي نفسه ، انه بمثابة عشب صغير ، لا تقتلعه الرياح ، بل تدوسه الأقدام ، كما جاء في الحكمة المصرية القديمة . أثناء أزمة الروايات الثلاث في يناير 2001 ، ثارت ثائرة معظم المثقفين ، احتجاجا علي قرارات وزير الثقافة ، وكان من ضمن الثائرين واحد من رؤساء تحرير إحدى السلاسل التي تُصدرها هيئة قصور الثقافة - صاحبة المشكلة - حيث انه أعلن استقالته علي صفحات الصحف المصرية والعربية ، ولم يتقدم بها مكتوبة !! وكتب مقالا تحدث فيه عن ( بؤس الثقافة ) ، واختتمه بتلك العبارة ( مسكين وزير الثقافة ، فهو واقع بين مطرقة الدهماء ، وسندان الدولة ، ولذلك جعلوه يضع ابنه تحت رجليه ، تحسبا لمجيء الطوفان ، غير مدركين أن الطوفان سيبتلع الجميع ..) والذي حدث بعد أسبوع واحد ، أن اجتمعت اللجنة العليا للنشر بالهيئة استجابة لدعوة رئيسها الجديد ، وكان رئيس التحرير هذا ، هو أول الحاضرين في الاجتماع .. لوح بمقاله ، ولوح باستقالته الشفهية ، وتحدث بوجه آخر تماما ، وقام بنفسه بسحب كتاب الشاعر الأمريكي ( آلن جينسبرج) " عواء وقصائد أخري " والذي قام بترجمته أحمد عمر شاهين ، بعد أن تم جمعة في المطبعة !! ، دون أن يُطلب منه ذلك ، استجابة للتوجهات الجديدة التي قبل العمل في ضوئها ، حيث إن الديوان ممنوع في أمريكا ذاتها ، فكيف ينشر إذن في مصر ؟! بعدها بقليل تم تكليفه بالإشراف علي المشروع القومي للترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة ، وتم تكليفه للمشاركة في لجان القراءة المتعددة في المجلس ، وهيئة قصور الثقافة ، وقام بتغيير اسم السلسلة التي يرأس تحريرها ، مع أنها أصدرت أكثر من سبعين عنوانا ، من قبل ، نراه يعتبر ما صدر منها بعد الأزمة بمثابة الكتاب الأول ، فيضع علية الرقم (1) واختفت قائمة الكتب التي صدرت ، وكأنها أصبحت رجزا من عمل الشيطان !! ليس هذه فقط ، بل أنه حصل هذا العام علي منحة تفرغ ، علي الرغم من تعدد المهام والمناصب المكلف بها ، وعلي الرغم من المعاش الذي يحصل عليه بعد أحالته إلى التقاعد !! - تلك نقطة سنشير إليها بعد قليل - والسؤال الآن : ما الذي يدفعه - هو وغيره - إلى هذا السلوك ؟! وكيف ارتضي لنفسه أن يكون تابعا منصاعا لأوامر المتبوع ؟! علي الرغم من أنه يعلم جيدا أنه لا يخادع إلا نفسه ، وأنه لا يستطيع خداع الآخرين كل الوقت .. لا يهمنا هنا الشخص ذاته ، لكن ما يهمنا هو الحديث عن الظواهر السلبية التي أوجدها المثقف الذي خلقة الإله بوجه واحد ، ولكنه يضع بنفسه بقيه الوجوه !! سلوك المثقف المتذلل ، المستسلم للطاعة العمياء ، والصمت المبالغ فيه ، " فالمطيع الذليل الذي يحني ركبته استخذاء ، ذلك الذي يقضي عمره منكبا علي عبوديته ، معتزا بذله ، انه أشبه ما يكون بحمار سيده ، لا يعيش لشيء سوي العلف" ربما يكون الفيلسوف الذي قال هذه العبارة قد مّر عليه نموذج المثقف الانتهازي ، الذي أفرط في الخضوع ، وأفرط في الانبطاح ، وأفرط في الخوف من أن يكون حرا ، فلا يحصل علي العلف !! وأذكر أن واحدا من الجمهور كان قد سأل ( يوسف إدريس ) – في ندوة من ندواته- أيهما أسبق من الآخر تلبية لحاجة الإنسان : الخبز أم الحرية ؟! فرد قائلا : الحرية لأنها السبيل الوحيد أمامك للحصول علي الخبز .
استسلام المثقف الانتهازي ، وتقديم الولاء ، انتظارا للحصول علي المنح ، يجعله عبدا مطيعا ، لا يملك القدرة علي اتخاذ القرار الصائب ، ويجعله منكبا علي سيده الذي يملك سلطة المنع والمنح ، ويسلك سلوك العبيد الذين فقدوا هويتهم ، ولم يعد الأمر يشغلهم ، إلا بالقدر الذي يتيح لهم فرصة العيش في كنف السيد ، بعد أن ذابت ذواتهم الهشة في ذاته .
العلاقة بين التابع والمتبوع يفهمها جيدا أمين عام المجلس الأعلى للثقافة ، ويترجمها في إدارة شئون العمل الثقافي ، انطلاقا من فكرة القطيع التي تقول لك : انك كلما اقتربت من السلطة ، كلما حققت هدفك في التربح السريع ، وكلما ازداد انبطاحك ، كلما رضيت عنك ، وحصلت علي الهبات والعطايا ، فهاهو الإعلامي الشاعر ، يكتب عن صديقة الروائي الذي لا يقل عنه انبطاحا ، مدافعا ويقول : ( لقد نجا من ورم الذات ، ونرجسية كثير من المبدعين التي تصبح بالتوهم ، وخديعة النفس ، ورياء الآخرين داء مستعصيا ، وحالا ميئوسا من علاجها ، كما نجا من التشوهات التي تنتجها ظروف النشأة والتكوين والعجز عن التحقق ، فتصطبغ مرارتهم بصفرة الأحقاد و دساستها ) .. انهم يعتبرون الكتابات الكاشفة لوقائع الفساد ، دليلا علي ( قلة الأدب وسوء التربية !!) .. في حين أننا نجد هذا الشاعر الذي يتحدث عن رياء الآخرين ، ويتحدث عن المرارة المصطبغة بصفرة الأحقاد ، نراه يحصل علي خمسة آلاف جنيه بموافقة أمين عام المجلس الأعلى للثقافة ، بعد أن كلفه بكتابة مقدمة كتاب أصدره المجلس عن الشاعر البائس ( عبد الحميد الديب) لا تتعدي سبع صفحات ، في حين أن صاحب الكتاب الأصلي ومؤلفه ، لم يحصل إلا علي ألف جنيه فقط لا غير !! حين نذكر هذه الواقعة ، يقولون لك ( صفرة الأحقاد ) وكأن التصرف المخجل في أموال الشعب ، بات متاحا ، للمسئولين الذين يعطون لأنفسهم الحق في المنح والمنع ، والتصرف ، والتهذيب والإصلاح ، يفعلون هذا ، وتُكتب عنهم تقارير الأجهزة الرقابية ، التي تشير إلى وقائع الفساد ، والحصول علي الأموال بدون وجه حق ، وفي مكتب وزير الثقافة ، تقارير تثبت تورط بعض القيادات ، وحصولهم علي مكافآت باهظة ، في حين أن شاعرا شابا فقيرا مثل ( طاهر البر نبالي ) لا يجد حماية ، أو اهتماما أو رعاية ، وهم يعلمون جيدا ، انه في محنة مرضية خطيرة ، تهدد حياته ، بعد أن تليف جزء كبير من الكبد ، ويحتاج إجراء عملية لزراعة كبد جديد ، بعد أن تكفل واحد من أسرته بالتبرع بجزء من كبده لإنقاذه ، ما الذي فعلته تلك الأجهزة ، وهي تصرف ببذخ أحمق ، هنا وهناك ؟! ما الذي فعلته لهذا الشاعر – وغيره – إلا الصمت التام ، وكأن شيئا لم يكن .. أينتظرون موته ، وبعدها يقولون : كم كان صبورا .. كم كان متفائلا ؟! كم كان شاعرا جميلا ؟! ويمصمصون شفاههم ، ويرددون : رحمه الله ؟! متي تستطيع الحياة الثقافية حماية المثقف الفقير ، المثقف الذي لا ينضوي تحي لواء شلة ما ، أو يرتبط معهم بمصلحة ما ؟! تصدق عليهم عبارة ( فتحي رضوان ) التي قالها انتقادا لتصرفات ( الملك فاروق ) الحمقاء : تقتير هنا وإسراف هناك !! لأمين المجلس الأعلى للثقافة مقالة غريبة عجيبة كتبها تحت عنوان ( الإنسان الاتباعي ) - دعك من العبارات الكثيرة التي جاءت فيها ، ولا يحكمها سياق منطقي ، يُساعدك علي الوصول إلى المعني مثل قوله : " العلاقة بين مفهوم الزمن ومفهوم الإنسان علاقة عضوية في ثقافة الاتباع ، وسواء كنا نتحدث عن الزمن الدائري أو الزمن المنحدر ، فالنتيجة واحدة ، إذ لا تعني حركة الدائرة سوي الجبر الذي ينتقل من العلة إلى المعلول الذي يلزم علته – كما تلزمه – وجودا وعدما . أضف إلى ذلك أن الزمن المنحدر يشير إلى اللزوم نفسه الذي يفرض جبر يته علي الفعل الإنساني في قدر مقدور ، إن الزمن في الحالين يُسقط نفسه ميتافيزيقيا علي الإنسان الذي تنحدر حركته الفيزيقية جبرا علي مستوي السلب في التاريخ المتعاقب ، وتثبت هذه الحركة علي نحو لا يعرف إلا الحركة الدائرية ولا يفارق ثباتها ، كأنه حال من الجبر علي مستوي الإيجاب في العلم والمعرفة ، أو الثقافة والأدب .. ‍‍!! " لقد حاولت الوصول إلى مضمون المقال الذي يحتاج إلى مقال آخر يشرحه ويفسره ‍‍ ، وبعد جهد خارق ، توصلت إلى أنه ينتقد النظرة التي تنطوي علي سوء ظن بالإنسان من قِبل الذين يرونه يجنح إلى الشر ، وارتكاب المعاصي لخلل مرتبط بتكوينه أصلا ، وينتقد – كذلك - الذين ينظرون إلى الإنسان باعتباره كائنا مستعدا لتقبل تلك النظرة ، التي تري أنه لا سبيل أمام الأدنى إلا تصديق الأعلى ، والمضي في أثره ، اتباعا وتقليدا ، فذلك هو قدر الأدنى المقدور في زمانه المحتوم ، الذي لا يعني سوي الوصاية الدائمة علي فعله ، والتحديد المسبق لمسار قدرته ، والتوجه القبلي لحركة عقله ، والنتيجة هي أن ‍ يغدو الإنسان سجينا متعدد السجون ، حركته اتباع لما ليس اختياره ، وإبداعه تقليد لما ليس من صنعه ، ومعرفته نقل عن الأعلى منه في الوجود والرتبة .. والسؤال الآن : أليس هذا هو نفس الشيء الذي يفعله في إدارته لشئون الثقافة ، من خلال مجلسه الموقر‍‍ ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ألم يتعامل هو مع المثقفين الذين ارتضوا التعامل معه بالشروط التي يُمليها ، وتعكس أسلوب القطيع ، وفكر العبودية ؟‍ تحقيقا لمصالحه ، ومصالحهم ، ومن أجل المحافظة علي مكاسبه ومكاسبهم - سنشير فيما بعد إلى بعض الصور - إنها ازدواجية المثقف ، الذي يفعل عكس ما يقول ، ويقول عكس ما يفعل ‍‍.. يبرر لنفسه كل خطأ ، ويعتبر نفسه – أيضا - صاحب الحقيقة المطلقة ‍!! ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
أيضا أثناء أزمة الروايات الثلاث ، وحين قرر عدد من المثقفين مقاطعة أنشطة الوزارة ، وكان معرض القاهرة الدولي للكتاب علي الأبواب ، احتجاجا علي موقف الوزير من قضية حرية التعبير ، أعلن في حوار أجراه الصديق الكاتب ( حلمي النمنم) - نشرته المصور – انه يتحدي المبدعين الذين أعلنوا مقاطعة الوزارة أن يقاطعوا مشروع التفرغ !! وهذا التحدي يكشف أن الأمور تسير تبعا لمعيار العلاقة التي تربط المثقف بالوزارة ، وهل هي علاقة اتفاق ، أم علاقة اختلاف ؟! ما مدي إخلاصك وعطائك ؟! تحصل عليه ثمنا لانبطاحك ، وصمتك ، وطاعتك العمياء !! وليس لأنك تستحقه بالفعل . وإذا تمردت ، أو أعلنت عصيانك ، فلن تحصل علي شيء ، وأدفع رأسك في الحائط ، لكي تريح وتستريح !! وبالفعل نري هذا المشروع الذي يشرف عليه المجلس الأعلى للثقافة أصبح رافدا من الروافد التي تُدعم موقف الأمين في تثبيت علاقته مع المثقفين الذين يسعون إليه سعيا للحصول علي حقوق غيرهم .. هناك مجموعة من التجاوزات التي يعلمها الجميع ، الناجمة عن العشوائية التي يدار بها ، والناتجة عن غياب المعايير ، والضوابط .. فمن ضمن التجاوزات التي تستحق المساءلة ، وتستحق استجواب المسئول .. حصول غير المتفرغين - بالفعل - علي التفرغ !! فهل يعقل – مثلا – أن يحصل ذلك المترجم الذي يعمل رئيسا لتحرير سلسلة أدبية ، ومشرفا علي مشروع الترجمة ، ومشاركا في لجان متعددة - أشرنا إليها من قبل - هل يُعقل أن يحصل علي منحة تفرغ ، وهو أصلا في تفرغ ؟! – علي المعاش .. وأمين المجلس الأعلى للثقافة يعلم جيدا حجم الأعمال والمهام التي يقوم بها ، وبمكافآت كبيرة ، متفرغ من ماذا ؟؟ ومتفرغ لماذا ؟؟ هذه الواقعة تُعد - بلغة القانون - تعسفا في استعمال الحق .
دعك من الكاتب الذي حصل علي منحة التفرغ لاسترضائه حين أعلن - منذ عامين- عن نية الاعتصام داخل المجلس ، احتجاجا علي اللجان التي لم تمنحه جائزة التفوق ، ودعك من الذين يحصلون علي منح التفرغ ليصرف عائدها في ( الجريون ) وغيره من بارات القاهرة .. ودعك من الأسماء الكثيرة من أصحاب المعاشات في الآداب والفنون ، الذين لا يقدمون مشاريع محددة ، وهم متفرغون بالفعل ، هذه الأسماء لا تُذكر في الكشوف المعلنة ، والمنشورة في الصحف ، فقط يمكنك أن تقرأ أسماء الكتاب الذين تقدموا عن طريق الإدارة العامة لمنح التفرغ ، وهي أسماء قليلة جدا ، أما الفئات المستثناة فتحصل علي معظم ميزانية التفرغ بدون وجه حق . من حقنا أن نتساءل : ماهي المعايير التي علي أساسها يتم منح التفرغ من عدمه ؟ وما هو المقصود - أصلا - بالمنحة ؟ وكيف نقوم بوقف مرتب المثقف الموظف الذي يحصل علي التفرغ ، ونسمح للمثقف الذي كان موظفا وأحيل إلى التقاعد بالحصول علي معاشه فضلا عن مكافأة التفرغ ؟؟ وكيف تتساوى القيمة المادية للمتفرغ الذي يعمل في الحكومة ، والمتفرغ الذي يعمل في القطاع الخاص ، أو الذي لا يُفصح عن عمله أصلا ؟؟ وكيف تعمل لجان فحص الأعمال ، أو لجان خلط الحق بالباطل!! ومن هم أعضاؤها ؟؟ إن من بين أعضائها من يحصلون علي منح التفرغ ، وفي نفس الوقت يشاركون في أعمالها .. أي هذر هذا ، وأي فوضى ، وأي عبث بأمور الثقافة في بلادنا ؟!!

هذا الجزء نشر في صحيفة العربي
الناصري في أول سبتمبر 2002