Thursday, August 16, 2007

مشكلات الثقافة الجماهيرية

أحمد عبد الرازق أبو العلا
الدعوة التي وجهها الفنان التشكيلي الدكتور أحمد نوار رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة لعدد من المثقفين والكتاب ، لبحث ومناقشة أوضاع الهيئة ، ومشكلاتها ، من أجل الوصول إلي حلول ممكنة للنهوض بها من عثرتها ، جاءت في وقتها تماما ، خاصة وأن المشكلات المتراكمة ، أدت إلي خسائر كبيرة خلال السنوات الست الماضية ، كان أشدها الحريق الذي حدث في مسرح قصر ثقافة بني سويف ، في شهر سبتمبر الماضي ، ومازالت تداعياته مستمرة حتى الآن - وربما ستستمر لسنوات أخري قادمة - وأودي بحياة أكثر من واحد وخمسين شهيدا من المسرحيين والكتاب والنقاد ، والجمهور ، في واحدة من أشد الكوارث ، وأكثرها عنفا ، وحقيقة الأمر أن غياب الإستراتيجية ، وضعف السياسات ، نتجا عن اختيار قيادات لإدارة شؤون الهيئة ، لم تأخذ الفرصة كاملة للتعرف علي المشكلات ، حتى تكون قادرة علي مواجهتها ، فضلا عن اختيار قيادات غير متفرغة ، تعمل في أوقات العمل غير الرسمية ، حيث يتم اختيارها من خارج الجهاز ، نفيا للكوادر الموجودة بداخله ، وعدم رضاء وزير الثقافة عنها لأسباب غير معلومة !! فمنذ ترك حسين مهران الهيئة ، في عام 1997 ، وبعد أن تمت إقالة رئيسها الثالث ، علي أبو شادي علي اثر أزمة الروايات الثلاثة المفتعلة في6 يناير 2001- ولم تكن قد مرت علي أحداث الوليمة إلا شهور قليلة - لم تعط - بعدها- الفرصة الكاملة لأي قيادة من أجل النهوض بالهيئة وتحقيقا للأهداف المنوطة بها ، حيث تناوب رئاستها - بعد ذلك - أكثر من سبع رؤساء قبل د. أحمد نوار ، منهم من جاء كسد خانة في فترة انتقالية ،ومن ثم لم يفعل شيئا - شهر أو ثلاثة شهور علي أكثر تقدير لكل واحد منهم - باستثناء (محمد غنيم) الذي جاء عقب إقالة أبو شادي ومكث سنة وبضعة أيام ولم يفعل شيئا- أيضا- إلا تصفية بعض الحسابات الصغيرة ، وكانوا علي الترتيب - بعد حسين مهران - : د. فوزي فهمي ( فترة انتقالية )- د. مصطفي الرزاز - ( سنتان) علي أبو شادي ( اقل من عام ) - محمد غنيم ( انتقالية ) - أنس الفقي ( عامان ) - د. جابر عصفور (انتقالية ) - د. مصطفي علوي ( عام واحد وعدة أيام )- وأخيرا د. أحمد نوار .. كل هؤلاء لم يمكثوا المدة الكافية لاستيعاب مشكلات الهيئة ومعالجتها ، وصولا إلي تحقيق الإستراتيجية المنوطة بتنفيذها . بل أن بعضهم جاء بترشيح من لجنة السياسات ، من أجل التصعيد إلي منصب أعلي ( أنس الفقي ) الذي أصبح وزيرا للشباب ، ثم وزيرا للإعلام ، ومن بعده ( مصطفي علوي ) - الذي كان مرشحا لمنصب أعلي لولا أحداث المحرقة ، وغضبة المثقفين تجاهه - وفي عهد القيادات الأخيرة للهيئة تم تصعيد عدد من الموظفين للمناصب العليا ، بدون امتلاكهم مسوغات القيادة - غير الأقدمية ، والمجاملة ، وإيثار السلامة ، وضرب قيادات أخري غير مرغوب التعامل معها - حيث إن الرئيس السابق للهيئة كان يصرح للمقربين حين يسألونه عن أسباب نفي بعض الكوادر فيقول : لأن لهم ماضي ، وتاريخ لا يسمح لهم بالصعود والقيادة !!ويعني بذلك أنهم لا يمارسون الولاء الكامل له ، بوصفه ممثلا للحزب الوطني في جهاز الثقافة الجماهيرية !! ولكي يستطيع - بمفرده - وبمساعدة كبار الموظفين الذين اختارهم بنفسه ، أن يحول الثقافة الجماهيرية إلي فرع من فروع الحزب الوطني ، فبدلا من دعم الصالون الثقافي ، نراه يدعم ويؤازر الصالون السياسي الذي أطلق عليه ( صالون الشباب ) مستنزفا من ميزانية الهيئة الكثير! بدون مردود ثقافي ، حيث إن تلك الغاية لا تدخل ضمن إستراتيجية العمل الثقافي في الهيئة .. من هنا جاءت أهمية الخطوة التي قام بها د. احمد نوار بدعوة عدد من المهتمين بجهاز الثقافة الجماهيرية - وهذا هو المسمي الذي نفضله عن المسمي الحالي - حيث انه جاء في فترة انتقالية -أيضا - لكنه لم يركن إلي الراحة ، وإيثار السلامة - كسابقيه- بقدر ما يرغب في الوصول إلي المشكلات الحقيقية من أجل تحديد البرنامج الزمني لمواجهتها ، وهذا البرنامج من المفترض أن يكون مُلزما لرئيس الثقافة الجماهيرية الجديد الذي سيأتي - حتما - بعده ، والتخوف الذي طرحته أمام الجميع - أثناء الاجتماع - من أن يكون هذا الاجتماع مجرد خطوة لتجميل شكل وموقف الهيئة في الظروف الراهنة ، أو سد خانة المشاركة ، هو ما يجعلنا نكتب الآن عن أهم المشكلات وطرق مواجهتها لو كنا حريصين علي أن ينهض هذا الجهاز من كبوته مرة أخري ، ويقوم بدوره ، وعلي المثقفين والمهتمين متابعة برنامج الإصلاح ، ومواجهة المتقاعسين عن تنفيذه ، سواء كان الوزير ، أو رئيس الهيئة الحالي ، أو الجديد القادم !! تلك المتابعة والمراقبة أصبحت من حق الجميع ، في العاصمة ، والأقاليم .. والحديث عن أحوال الهيئة ، والمشكلات التي تواجهها - حاليا - يتطلب ألا نخرج عن الموضوع بالحديث عن الماضي كما فعل البعض ، بل يتطلب أن نتحدث عن الحاضر، حتى نستطيع الوصول إلي نتائج سريعة وعمليه .. طرحت تصورا يحدد أهم المشكلات ، لم تختلف - معه- معظم الكلمات التي قالها حضور اللقاء ، وتدور المشكلات الرئيسة اعتمادا علي محورين رئيسيين أولهما : إداري ، والثاني : مالي ، وكل واحد منهما مرتبط - بشكل أو بآخر- بالثاني .. فالإدارة البيروقراطية في هذا الجهاز ، أثرت علي أدائه ، حيث إن الموظف تربي علي فضيلة الخوف ، الخوف من رئيسه المباشر ، والخوف من العقاب !! مما عطل قدراته علي الابتكار ، وسرعة اتخاذ القرار ،هذا الأمر نلمسه حتى عند أصحاب الوظائف العليا ، كوكيل الوزارة - مثلا- هذا الخوف لا يُنتج شيئا ، بل أدي - علي سبيل المثال- إلي ممارسة الرقابة - بدون احترام لتقارير اللجان المتخصصة - علي الإصدارات التي تصدرها الهيئة ، ومن ثم أصبحت مطبوعاتها باهته ، ولا تحرك الراكد في حياتنا ، ولا تواكب متطلبات المرحلة ، والخوف أيضا هو الذي أدي إلي تراخي معظم العاملين عن القيام بأعباء أعمالهم ، ذلك الخوف هو الذي أدي إلي توقف مشروع النشر الإقليمي ، الذي لم يجد اهتماما من الهيئة يتساوي مع النشر المركزي! لقد ظل شبح وليمة لأعشاب البحر، وشبح الروايات الثلاث ، يطارد المسئولين في الهيئة ، مركزيا ، وإقليميا ، وإيثارا للسلامة تم تعطيل المشروعين معا !!
وغياب الإستراتيجية الثقافية هو الذي أدي إلي اختفاء الأنشطة الحقيقية التي تُعد حجر الأساس ، الذي قامت عليه الثقافة الجماهيرية ، فالإستراتيجية تقوم علي تأكيد مبدأ الانتماء ، وتأكيد مبدأ أن الثقافة للجميع ، وأنها تتوجه إلي جماهير الشعب في كل مكان ، وأي مكان ، وقامت لتؤكد علي أن الُمنتج الثقافي ، لابد أن يكون فاعلا في اللحظة الآنية ( سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ) والإستراتيجية تقوم - أيضا - علي مبدأ تأكيد الحرية ، واستنهاض المواهب واكتشافها .. فهل تحقق هذا مع إلغاء ميزانيات نوادي الأدب ( تلك النوادي التي ساهمت علي دفع عديد من المواهب في كافة مجالات الإبداع ، وضخها في حياتنا الثقافية ، من خلال إصدار المجلات ، واستضافة المتخصصين من النقاد، وتبادل الزيارات بين الأدباء في الأمسيات الشعرية .. الخ ) وأدت إلي توقف أنشطة الموسيقي والفن التشكيلي ومسرح الطفل ، ونوادي المرأة والعلوم ، في معظم المواقع ، وعددها (517) موقعا ، هذا الامتداد الأفقي ، لم يوازيه امتداد رأسي ، يجعل المُنتج الثقافي - المتنوع - يصل إلي جماهير الناس ، ويصل إلي الطبقات الفقيرة ، التي هي في أشد الاحتياج إليه .. ميزانية النشاط الثقافي في الهيئة حوالي( 32 مليونا ) ، يتم إهدارها في احتفالات ، ومهرجانات ، مركزية ، مثل الاحتفالات الرمضانية ، والمشاريع الموسمية ، كمهرجان القراءة للجميع ، وأشياء أخري لا علاقة لها بالمنتج الثقافي المُلح للجماهير خارج العاصمة ، استنزاف ميزانية الهيئة ، يتم لصالح المركز علي حساب الهامش !! ، ولذلك غاب دور الثقافة الجماهيرية في تثقيف الجماهير ، وأصبح دورها يتشابه مع الدور الذي تقوم به وزارة الثقافة ، حين تهتم بالمهرجانات الواجهة ، ولا تهتم بأن تكون الثقافة - بشكل عام - قادرة علي صناعة مردود ، يُساهم في التنمية ، وهذا هو الأساس ، في أي إستراتيجية ، تسعي للتغيير ، والخلق ، والمواجهة .. لقد كان الهيكل الوظيفي في الثقافة الجماهيرية ، مرتبطا - من قبل - بوظيفة محددة ، وأهداف معينة ، منها التنمية الثقافية ، والحادث الآن ، أن الأهداف تلاشت ، وظل الهيكل الوظيفي كما هو محلك سر ، ولذلك نري مظاهر هذا الخلل تتبدي في عدم اهتمام القائمين علي أمور الثقافة في الأقاليم بالثقافة ، ذاتها ، أو تفعيل دورها ، إضافة إلي عدم اهتمام المركز بصرف حوافز جيدة للعناصر الإيجابية ، مما جعل الكل يتساوون ، بصرف النظر عن التميز !! إلي هذا الحد وصلت الأمور إلي الاستهانة بالعناصر الفاعلة التي لم تجد المناخ مهيئا لها لكي تعمل ، فارتكنت - هي الأخرى - إلي التكاسل ، والإهمال . ومن الأمور الخطيرة - أيضا - أن الترقي الوظيفي جاء علي حساب الكفاءة ، لأنه استند إلي الأقدمية ، في حين أن ( سعد الدين وهبة ) كان يُكلف الشباب الذين كانوا لا يزالون خريجين جددا لإدارة المواقع الثقافية ، بصرف النظر عن درجتهم الوظيفية ، ومن قال أن الدرجة الوظيفية هي الأساس الذي يتم بناء عليه اختيار الكادر المثقف ، القادر علي تفعيل العمل الثقافي ، وإدارته ؟! تحديد المشكلات ، هو السبيل الأول لنجاح الإصلاح ، والمواجهة ، لابد أن يكون هناك تنسيقا إداريا ، بين المركز والهامش ، في رسم السياسات ووضع الخطط ، ومواجهة العقبات أولا بأول، وذلك من خلال لجنة دائمة ، تجتمع اجتماعات دورية مع القائمين علي أمور الثقافة من مديرين وأخصائيين في الأقاليم ، مع المسئولين في العاصمة ، من خلالها يتم مناقشة المشكلات أولا بأول وقبل أن يستفحل أمرها - كما هو حادث الآن - ولا نستطيع مواجهة أي شيء في نهاية الأمر، وحتى لا يؤدي إلي كوارث أخري شبيهة بكارثة بني سويف ، وربما اشد منها ، ولابد من إعادة الثقة من جديد بين المسئول الثقافي ، الجماهير المتعاملين مع جهاز الثقافة الجماهيرية ، لأن هذه الثقة ، تدفع هؤلاء إلي احترام دور هذا الجهاز ، وبالتالي ، لا يستطيع أي أحد أن ينفي أهميته ، اعتمادا علي الخراب الذي حل ، لكي يتم بيعه ، أو خصخصته- لا قدر الله - فنحن نلاحظ أنه في الوقت الذي تم فيه إهمال عدد كبير من المواقع علي مستوي مصر كلها ، يتم الاهتمام بعدد محدود جدا مما يسمي( بالقصور المتخصصة ) اهتمام الهيئة بهذه القصور- من ناحية الميزانية .. الخ - جاء علي حساب أماكن أخري كثيرة ، ينبغي توزيع الميزانية عليها بشكل عادل ، فالعدالة للجميع ، أول خطوة علي سبيل الإصلاح ..
وعلي وزارة الثقافة أن توزع ميزانيتها اعتمادا علي فكرة العدالة - أيضا - فليس من الصحيح أن نصرف - مثلا- علي مهرجان المسرح التجريبي وغيره من المهرجانات الشكلية ، عدة ملايين من الجنيهات ، وفي نفس الوقت نشكو من أننا لا نستطيع شراء طفايات للحريق في المواقع البعيدة عن العاصمة ، بحجة أن الميزانية لا تسمح !! ولا نستطيع أن نتقبل توجيه الاهتمام كله بإنشاء المتاحف ، في الوقت الذي تُغلق فيه قصور ثقافة أبوابها لعدد من السنوات ، وتضيع - نتيجة لهذا الغلق- الضرورة التي من أجلها قام جهاز الثقافة الجماهيرية .
لعل هذه الكلمات تكون محركا لمناقشة الأمور الهامة المتعلقة بثقافتنا ، في ظل ظروف لاتقدر العمل الثقافي ، ولا تهتم بالمنتج الثقافي ، بقدر اهتمامها بالتافه والمسف ، والسطحي . وأخيرا إذا كنا حريصين علي هذا الجهاز ، فلابد أن يتم اختيار قيادة ثقافية ، من داخله، لأن التجربة أثبتت أن القيادات التي تجيء من خارج الجهاز ، تحتاج إلي سنوات حتى تفهم طبيعته ، وعندما يحين وقت الفهم ، يكون المعاش قد حل ، وتبدأ الرحلة الجهنمية من جديد .